
القدس الاسير بوابة
التغيير
كلمة الدكتور محمود الزهار
فى يوم القدس العالمي
وزير
الشؤون الخارجية الفلسطيني
----------
لا تعتبر مدينة القدس
المحتلة واحدة من المدن الفلسطينية التي
تعاني مرارة وقساوة الاحتلال ومؤامراته
المتتالية فحسب، ولكنها تشكل جزءا من
عقيدة وتاريخ وحاضر ومستقبل الامة أجمعها،
ومن بين جنباتها ينتظر المؤمنون بوابة
التغيير القادم على مستوى العالم.
ان لمدينة القدس خصوصية في
قلب كل فلسطيني وعربي ومسلم لا تضاهيها في
أي مدينة او بقعة مباركة اخرى ما يكسب
قضيتها ابعادا مميزة وفريدة تجعل من
الصعوبة بمكان النظر اليها باعتبار
المعطيات السياسية وحدها دون النظر في
باقي الاعتبارات الاخرى التي جعلت من
القدس وحدها عقبة كأداء في وجه كل مؤامرات
تصفية القضية الفلسطينية قديما وحديثا.
فمنذ الايام الاولى
لانطلاق الدعوة الاسلامية برزت القدس
كقبلة للمسلمين الاوائل ما جعل منها جزءا
من العقيدة لا يتجزأ، كونها نهاية اسراء
وبداية معراج النبي المصطفى صلى الله عليه
وسلم ما جعل انظار وافئدة المسلمين تتعلق
بيها روحيا وعقائديا زاده ما حملته هذه
الرحلة من آيات وبيانات ومن بينها صلاة
سيدنا محمد اماما بالانبياء في باحة
الاقصى الشريف في اشارة واضحة الى هيمنة
الاسلام وختمه لكل الرسالات السابقة وبروز
القدس كمركز قيادي للدعوة الاسلامية ومركز
للنور الجديد الذي أظل ويظل هذا العالم
الغارق في ماديته الطاغية.
وعلى مدار القرون الماضية
شكلت القدس قضية للمسلمين ومركزا للصراع
على مستوى العالم بأسره فقد تحركت من
اجلها الاساطيل الصليبية لتفتح جبهة من
الصراع الاحتلالي تحت مسمىً عقدي وتزهق
على بوابتها عشرات الالاف من الارواح التي
تدفعها الحمية الدينية.
ومن أبرز تجليات تلك
الحقبة التاريخية ان اعادة تحرير القدس من
غاصبيها تم من قبل غير الفلسطينيين ومن
غير العرب لان الدولة القطرية والقومية لم
تكن قد ولدت في فكر هذه الامة رغم استقلال
العديد من الدويلات والامارات الا ان الهم
الاسلامي العام كان الجامع لمعظمهم
وغالبيتهم، واذا كانت خلافاتهم قد اضاعت
القدس لبرهة من الزمن الا ان القدس ذاتها
هي التي شكلت عنصر توحيد لهم من جديد، كما
اعاد احتلالها الفرصة للمسلمين للتوحد
واعادة بناء قدراتهم لاستعادتها بدءا من
القدرات العقدية والدينية باعتبارها
الموحد والجامع الاول للمسلمين، ثم
القدرات العسكرية التي استطاعوا من خلالها
رفع الاذان مجددا في المسجد الاقصى
المبارك.
وعلى مدى تاريخها كانت
القدس في ظل الاسلام مركزا للتعايش بين
اصحاب الرسالات السماوية – ما لم يكن
مقرونا بالقوة والقهر كالاحتلال- فقد عاش
الجميع في المدينة جنبا الى جنب لم تهدم
كنيسة ولم يكسر صليب في تاريخها الطويل
الى يومنا هذا، اذ يرفع الاذان في المسجد
وتدق اجراس الكنائس ليعكسا ما يوفره
الاسلام من سماحة وحرية دينية للجميع، بل
ان تحرير القدس على يد صلاح الدين الايوبي
لم يرافقه عمليات تدمير وتقتيل كما فعل
الصليبيون عند احتلالهم المدينة وانما
رافقه تسامح عمري اصيل ينسجم مع ما فعله
الفاروق عمر رضي الله عنه عند فتحه
المدينة اول مرة.
والقدس وبعد احتلالها
للمرة الثانية في التاريخ باسم العقيدة
والدين ايضا تشكل ذات المعاني السابقة
ففرقة المسلمين وتشتت كلمتهم في بداية
القرن الماضي وانهيار دولة الخلافة أغرت
من يتآمرون للسيطرة على هذه البقعة
المباركة وما حولها ان يبدأوا غزوة جديدة
وتشكيل قاعدة ارتكازية على نفس النمط الذي
قامت عليه المملكة الصليبية السابقة
ولكنها مملكة يهودية عنصرية اقامتها
الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية
التي نجحت في اقتطاع القدس وفلسطين في
غفلة من الزمن وبدأت بنسج خيوط مؤامرتها
على الامة برمتها.
ولعل كل ما سبق واكثر منه
جعل من القدس اليوم عقبة في وجه كل
مؤامرات تصفية القضية الفلسطينية وكل
الخيارات التي تصطدم جميعها بما تمثله
المدينة من بعد عقدي وتاريخي الامر الذي
يجعل من الالتفاف على هذين البعدين امرا
مستحيلا مما يكسب الجهاد من اجل التحرير
حيوية دائمة وحرارة مستمرة الى ان يتحقق.
ويجب ان نعترف ان هذه
المؤامرات نجحت في تأخير اعادة تحرير
المدينة لان اعادة التحرير يتطلب اولا
اعادة التوحيد والتجميع لمقدرات الامة على
الهدف والوسيلة فأمتنا العربية والاسلامية
تحمل كل مقومات الانتصار الحضارية بما في
ذلك القوة لان مقدرات النصر اما ذاهبة في
صراع داخل كل قطر على حدة او بين الاقطار
بعضها ببعض، وان لم يكن هذا ولا ذاك تشغل
الامة باشكالات اخرى وقضايا فرعية كثيرة
واحتلالات جديدة.
لذلك كله نرى ان القدس
وكما كانت القبلة الاولى التي تلتقي عليها
وجهات المسلمين على اختلاف اماكن وجودهم
ستبقى هي نقطة التجميع لهم وستبقى العلامة
على مدى وقوة ايمانهم ورسوخ عقيدتهم
باعتبارنا امام هدفين اساسيين الاول اعادة
بعث واحياء العقيدة الاسلامية في نفوس
المسلمين جميعا باعتبارها المعادل الحضاري
الاهم في ساحة الصراع العالمية والموحد
الوحيد للامة ثم التحرك باتجاه احياء كل
معاني هذه الوحدة وتحرير الاوطان المغتصبة
وتحقيق العدل المستند الى تعاليم الاسلام.
وستبقى القدس ودخول عباد
الله لها عنوان الامل لتحقيق وعد الاخرة
في دورة حضارية جديدة " فإذا جاء وعد
الاخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد
كما دخلوه اول مرة ويتبروا ما علوا
تتبيرا".