
احد السجون الصهيونية ( الرملة )
وسأتركم الآن مع شهادة احد المفرج عنهم ليطلعكم على
ما يعتبر غيضاً من فيض المعاناة التي يلقاها أهالينا هناك في
السجون على يد هؤلاء الارهابيون
اسمه عبد الاحمد ...
لقد سبق له أن سجن
واجتاز التحقيق على أيدي محققي جهاز الأمن العام، عدة مرات، بيد أن
المرة الأخيرة كانت أقسى تلك المرات على الإطلاق، ويقول: لقد حسن
محققو الجهاز أساليب التعذيب، مثل "تمارين البطن"، التي جعلته
يتقيأ بصورة متواصلة منذ سنتين. و"تمارين الكتف" التي سببت له
الآلام الموجعة في أسفل ظهره .
ورغم أنه لم يتجاوز بعد
الحادية والثلاثين إلا أنه قضى السنوات الثمانية الأخيرة في السجون
الإسرائيلية، وقبل شهر واحد، تم إطلاق سراحه من آخر اعتقال إداري .
لقد سبق أن سمعت
الكثير عن وسائل التعذيب التي يمارسها جهاز الأمن العام، ومن
العديد من المعتقلين من نابلس والخليل وغزة، وهو الأمر الذي يؤكد
صدق أقوالهم، بيد أن وصف الأحمد للتعذيب الذي اجتازه كاد يوقف شعر
رأسي.
ولم يكن التحقيق معه يجري لأن هناك قنبلة موقوتة يجب استخلاص موعد
انفجارها منه، بل إن الأمر مسألة روتينية، روتينية جهاز الأمن
العام، والتي يعترف العديد من كبار محققي الجهاز أن آلاف
الفلسطينيين يجتازونها سنوياً، أي أن عشرات آلاف الفلسطينيين
اجتازوا دواليب التحقيق الإسرائيلية، منذ بداية الاحتلال، ولا
زالوا هم وعائلاتهم يحملون آثارها على أجسادهم وفي نفوسهم حتى الآن
.
والأحمد، يدخل ويخرج من
السجن منذ عام 1981، وقد اتهم ذات مرة وأدين بإلقاء زجاجة حارقة،
ومرة أخرى بتجنيد أصدقاء للجبهة الشعبية، ولم يتمكن الأحمد بين
اعتقال وآخر من بناء حياته، وقد استغرق آخر تحقيق معه شهرين، بل
لقد حقق معه ذات مرة مدة خمسة وسبعين يوماً .
ويقول الأحمد: كانت
المرة الأخيرة أصعب المرات. لقد نجحوا في تطوير وسائل تعذيب جديدة،
تحدث آلاماً أشد، وتبقي أثراً أقل على العضلات .
والأحمد يجيد العبرية، ويقول: لقد أقمنا في سجن مجدو ذات مرة
(حياً عبرياً)، خصصنا مجموعة من الخيام لتعليم اللغة العبرية،
وحظرنا الحديث باللغة العربية فيها، بل وحظرنا التدخين أيام السبت،
وكان الأحمد ينهض بين الفينة والأخرى ليمثل أساليب التعذيب، ويقول:
خذ مثلاً الحركات الرياضية، يقوم أحد المحققين بجذب المعتقل إلى
الخلف، بينما يجذبه محقق آخر إلى الأمام وهما يضعان بأقدامهما على
القيود الحديدية، مما يسبب له آلاماً شديدة ويسمون هذه العملية
"تدريبات البطن" .

ويربطون الأقدام إلى الكرسي، ويجذبون الجسد
إلى الخلف، يبدأون العملية ومدى طول أو قصر العملية، يرتبط بوضع
المحقق معه، فهناك محققون يتوقعون عندما يبدأ المتهم بالتقيؤ، في
حين لا يتوقف آخرون إلا حينما يغشى عليه، وحينها ينتقلون إلى حركة
أخرى، لقد كانوا يمارسون معي (تدريبات البطن) ساعتين أو ثلاث
ساعات، حتى أتقيأ، وكل ما يقولونه لي: لماذا توسخ الأرض؟ ثم يحضرون
وعاء كي أتقيأ فيه، ولا يتوقفون عن "التمرين" حتى يشعروا أن المحقق
معه لا يستطيع الكلام بعد ذلك، وحينها ينتقلون إلى تمرين آخر، وهم
لا يفعلون ذلك نظراً لأن آلامه أصبحت لا تطاق، بل لأنه لم يعد
يستطيع الكلام، وحينها يضحكون ويقولون: الآن جاء دور تدريب أجزاء
أخرى من جسمك، كالكتفين مثلاً .
ويتم ربط الرسغين بالقيود إلى الخلف، ويقوم شخص
منهم بالضغط بقدمه على القيود، أو على الكتفين بقوة، في الوقت الذي
يواصل فيه المحقق التحقيق .
وتستمر هذه الصورة من صور التحقيق زمناً أطول، والكرسي صغير،
في حين أن الطاولة الموضوعة كبيرة، ويبقى ثقل ساقي المحقق كله على
كتفي المحقق معه .
وهناك أيضاً عملية "الهز"، وهي أصعب عمليات التحقيق على
الإطلاق، وأخطره، والأشخاص دائماً يغشى عليهم من الهز، وقد أغمي
علي أكثر من مرة في التحقيق، ولست أدري فيما إذا كان قد أغمي علي
أم أنني نمت، وفي كل مرة ينهالون على المغمى عليه بالضرب، ويسكبون
فوقه الماء، كي يستيقظ ويواصلون التحقيق .
وذات مرة، سمحوا لي بالنوم، لأنني لم أكن قادراً على الحديث
أو جمع شتات نفسي، لم أكن أراهم جيداً أو اسمعهم، أو أدري ماذا
يريدون، ولم تنجح الصفعات والماء البارد في إيقاظي من النوم، الذي
أخذ بي، أنهم يحرمون المحقق معه، من النوم أربعة إلى خمسة أيام،
ولا يسمحون له بالنوم إلا عندما يصبح الحديث معه مستحيلاً .
ويضيف،
وهناك جهاز التكييف، ففي أيام البرد
القارس، في الشتاء يربطون المحقق معه على كرسي، ويضعونه أمام جهاز
التكييف، وأحياناً يدخلون المحقق معه في الخزانة، حيث يربطون الشخص
إلى كرسي صغير ويضعونه في خزانة، ويفتحون المكيف .
والخزانة ذات أبواب سميكة كأبواب الملاجئ، وهي صغيرة إلى
الحد الذي يجب دفع أي إنسان سمين دفعاً إلى داخلها، ويبدأ الهواء
البارد في الدخول بعد أن يكونوا قد جعلوك تخلع ملابسك .
والأمر ليس
تعذيباً جسدياً فقط، بل هو أيضا تعذيب نفسي، أتدري ما الذي يعنيه
أن يحولوا الأشياء الصغيرة إلى حلم؟ لقد كان حلمي أن أحظى ببعض
الدفء، أو أن أتمكن من وضع يدي إلى الأمام وليس إلى الخلف .
الكلمات لم تكن كثيرة، بل في بعض الأحيان
وخصوصاً عندما يرغبون في إعداد إنسان منذ ساعات الصباح الباكر،
ليوم تعذيب صعب كالهز وعلى وجه الخصوص، إذا ما جاء ضابط كبير لحضور
التحقيق أو الإشراف عليه، وحينها
يربطونه من يديه ويرفعونهما إلى
الأعلى، ويضعون كيساً على رأسه كي لا يري، وموسيقى صاخبة جداً على
أذنيه، وأحياناً يربطونه في أنبوب مثبت بالعرض في القاعة، بحيث لا
يستطيع الوقوف أو الجلوس .
المرحاض، لا يسمحون لك بالذهاب إلى المرحاض إلا إذا بدأت
بالتعاون والحديث، وخصوصاً المحقق معهم الجداد، أما نحن القدامى،
فنتعامل مع المسألة بصورة مغايرة، فكلما شعرنا بحاجتنا للذهاب إلى
المرحاض، نبول في ملابسنا ونحن في الوضع الذي وضعونا فيه، ولا يهتم
المحققون بذلك، إلا عندما تبدأ الرائحة الخانقة في التسرب، وحينها
يرسلون الشخص مع الحارس، والذي يقوم بغسله بخرطوم مياه، ثم يعيدونه
إلى المكيف لتجفيفه، ثم للتحقيق .
أما الطعام فيعطونه للمحقق معه في المرحاض، يضعونه في الثقب
الذي نقضي حاجتنا فيه، وفي ظلام دامس، فأنت لا ترى ما الذي تأكله،
وربما تشعر ذلك من المذاق، وهناك يضعون أيضاً الأكياس التي يضعونها
فوق رؤوسنا كي تمتلئ بالروائح الكريهة، لقد رأيت حارساً ذات مرة
يبول على الأكياس .
"إنهم يستطيعون أخذ
اعتراف من الأشخاص الذي فعلوا شيئاً، أما الذين لم يفعلوا شيئاً،
فإن الأمر يتحول بالنسبة لهم إلى مجرد عذاب متواصل، إذ ليس لديهم
ما يقولونه .
أما السباب، فحدث ولا حرج .. فهو مسألة عادية، يسبون
أخواتنا وأمهاتنا، وهم يدركون أن هذا السباب بالنسبة للعرب حساسة
للغاية، ويبصقون أيضاً في وجوهنا .
والطبيب أيضاً، يساعد في عمليات التحقيق، فهو يجلس في
القيادة، ويقرر فيما إذا كان بمقدور المحققين التحقيق مع الشخص أم
لا، وهو دائماً يقول إن بمقدورهم عمل ذلك، وأحياناً كان
الطبيب يسأل: أين موضع الألم؟ حينما يجيبه المريض، يبدأ المحققون
بالضرب على الموقع الذي ذكره .
لقد كان الأحمد قبل دخول السجن لاعب كراتيه ويحمل
الحزام الأزرق، أما الآن، فهو لا يستطيع التحرك كثيراً جراء الآلام
الصعبة جداً، وقد أكد الطبيب أن لديه مشكلة في عموده الفقري، قد
يحتاج إلى عملية جراحية