|

بمناسبة اليوم العالمي للقدس
فلسطين مفاهيم ومواقف
د. علي بادحدح – حماسنا
الثلاثاء 25 سبتمبر 2007 م
-----------
أسطر
لكم هذه السطور وذلك لأقدم لكم الشكر الجزيل والثناء
الجميل ، والتقدير الجليل على ما تقدمونه من جهود
مباركة لخدمة القضايا الإسلامية والوطنية الحية خاصة
قضية القدس الحبيبة والسليبة، والتي هي قضية المسلمين
الاولى؛ ولا أملك إلا أن أقول لكم جزاكم الله خير
الجزاء في الدنيا والآخرة.
إن قضية فلسطين كانت ولا تزال وستظل قضية المسلمين
الأولى لا لكونها قضية وطن مُغْتصب، أو شعب مُضْطهد بل
لأنها مع ذلك بل قَبْله قضية
إسلام وإيمان فهي تُمثّل بؤرة الصراع العقائدي،
وميدان المواجهة الحضارية بين الإسلام وأعدائه في أوضح
وأقسى صورها، فالمسجد الأقصى أول مسجد بُني بعد
البيت الحرام، وكان قبلة المسلمين الأولى، وأسري
بالنبي صلى الله عليه وسلم إليه ومنه عرج به إلى
السماء، وخُصَّ مع الحرمين الشريفين بشد الرحال
ومضاعفة أجور العبادة، وبشّر المصطفى صلى الله عليه
وسلم بفتحه بعد موته وغير ذلك مما ثبت لبيت المقدس من
الفضائل والخصائص التي وردت في آيات القران وأحاديث
الرسول صلى الله عليه وسلم .
مفاهيم الصراع المبدئية:
1- فلسطين هي أرض وقف
إسلامي وملك لأجيال المسلمين إلى أن يرث الله الأرض
ومن عليها، فهي ليست لأهل
فلسطين فقط بل لكل أبناء الأمة ، ومن هنا فإنه
لا يجوز تحت أي ظرف من الظروف، ولا لأي معطى من
المعطيات التنازل عن شبر واحد من أرض فلسطين المباركة.
2- قضية فلسطين ذات عمق
عربي وإسلامي وليست قضية الفلسطينيين وحدهم، وقد تعرضت
لمؤامرة كبيرة منذ بداية القرن الماضي فقد
كانت قضية إسلامية، ثم
أصبحت عربية، ثم أصبحت قضية فلسطينية، ثم ضيق عليها
أكثر فقيل إنها تخص الفلسطينيين الذين يعيشون داخل
فلسطين المحتلة، وكأن الفلسطينيين الذين يعيشون في
الشتات لا علاقة لهم بهذه القضية، واليوم نرى بعض
الناس يريدها قضية منظمة أو فصيل فلسطيني بعينه.
3- الصراع مع اليهود الصهاينة
- ومركزه أرض الإسراء - صراع
عقدي حضاري ، وأسبابه لها جذور تاريخية في عداء
اليهود للإسلام منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، و
من هنا يأتي فهم سياق الأحداث الجارية من مثل قوله
تعالى: { كُلَّمَا أَوْقَدُوا
نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ
فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ
الْمُفْسِدِينَ } [ المائدة: 64 ]،أي "كلما
عقدوا أسباباً يكيدونك بها،
وكلما أبرموا أموراً يحاربونك بها يبطلها الله ويرد
كيدهم عليهم"(ابن كثير ص 634) "وكون المراد من الحرب
محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم هو المروي عن الحسن
ومجاهد" (الألوسي 6/183)، ومزيد من البيان نجده في
قوله تعالى: { لَتَجِدَنَّ
أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا
الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } [
المــائدة:82 ]،" وهذا خبر مطلق منسحب على الزمن كله،
وهكذا هو الأمر حتى الآن، وذلك أن اليهود مَرَنُوا على
تكذيب الأنبياء وقتلهم، ودَرَبُوا العتوَّ والمعاصي،
ومَرَدُوا على استشعار اللعنة وضرب الذلة والمسكنة،
فهم قد لحَجَتْ عداوتهم، وكثُرَ حسدهم، فهم أشد الناس
عداوة للمؤمنين"( ابن عطية ص 568)، وطبيعة الإجرام
والعدوان اللا إنساني الغاشم الذي يمارسه الكيان
الصهيوني المحتل نراه جلياً بكل قسوته وفظاعته في قوله
تعالى: { كَيْفَ وَإِنْ
يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً
وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى
قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا
بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ
سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *
لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ } [ التوبة:8
-10] .
4- الغايات التي يريدها
الصهاينة،
وأمريكا الداعمة لهم ، والغرب المتواطئ معهم – في
الجملة - معرفتها سهلة لظهورها في الواقع مصداقاً
لقوله تعالى: { يُرِيدُونَ أَنْ
يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى
اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ
الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ
بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى
الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }
[ التوبة:32-33 ]، فالغايات الكبرى هي مناوأة
الإسلام، ومحاربة عقائده ومبادئه، ومن ثم استهداف
معتنقيه وحملته بالقتل بصفة دائمة كما ورد في قوله
تعالى: { وَلا يَزَالُونَ
يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ
إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ
دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ
أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا
خَالِدُونَ } [ البقرة:217 ].
3- سنة الكون لا تتبدل ولا تتغير فالتمكين في الأرض
ممزوج ومسبوق بسنة الابتلاء ، قال تعالى:
{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ
تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ
الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ
الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى
يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى
نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ }
[ البقرة: 214 ] .
5- المقاومة والجهاد هي الطريق
الأنجع والأسلم والأقصر لتحرير فلسطين
المباركة، ، وقد ثبت من خلال الواقع أن مسيرة التفاوض
مع العدو هي مسيرة فاشلة ، وأن السنوات التي مضت على
هذه المنهجية لم تحقق للشعب الفلسطيني ما يصبوا إليه،
وهذه المفاوضات استخدمها الصهاينة كغطاء لتكريس
الاستيطان وتطبيع العلاقات مع بعض الدول لالتهام الأرض
وتهويد القدس ومحاولة السيطرة على المسجد الأقصى
المبارك، وكل ذلك تحت مظلة أن هناك مفاوضات واتفاقات
ومعاهدات.
إن مقاومة المحتل والدفاع
عن الأرض والعرض حق مكفول في
جميع الملل والشرائع ، ومشروعية المقاومة ضد
المحتل أقرتها الأعراف والقوانين الدولية، واستمداد
المشروعية - عند المسلم – لا يفتقر إلى ذلك لأن أساسه
الوحي المعصوم ومواده آيات القرآن الكريم فالحق جل
وعلا يقول: { وَإِنْ نَكَثُوا
أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي
دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ
لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ * أَلا
تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ
وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ
أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ
أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *
قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ
صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ } [ التوبة:12 –
14]، وفي سنة سيد المجاهدين صلى الله عليه وسلم عن
سعيد بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول:
"
من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد،
ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد
"
[ رواه الترمذي،
وله رواية مختصرة عند البخاري ] ، فهل بعد هذه
المشروعية الواضحة المحددة في الحالات المختلفة حاجة
لمزيد ؟
وينبغي التنبيه أن مشروعية الجهاد الإسلامي الصحيح
المشروع دائمة ومستمرة ومستمدة من سنة المصطفى صلى
الله عليه وسلم فقد روى سلمة بن نفيل الكندي قال:
كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال
رجل: يا رسول الله أذال الناسُ الخيل ووضعوا السلاح،
وقالوا لا جهاد، قد وضعت الحرب أوزارها،
فأقبل رسول الله صلى الله عليه
وسلم بوجهه وقال: كذبوا، الآن الآن جاء القتال، ولا
يزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق، ويزيغ الله لهم
قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي
وعد الله، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم
القيامة" رواه النسائي.
6- نهاية الصراع وعاقبة
المواجهة والجهاد واضحة عند المسلمين، وهي
دائرة بين اثنتين: (النصر أو الشهادة) وفي الأولى عز
الدنيا، وفي الثانية فوز الآخرة
{ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ
لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا
إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ
أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ
أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ
مُتَرَبِّصُونَ } [ التوبة:52 ]، والبيان
التوضيحي لذلك نجده في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"
تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه إلا الجهاد في
سبيله وتصديق كلماته بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى
مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة
"
رواه البخاري.
المواقف والأعمال المطلوبة:
إنه لابد لنا إزاء هذه الأحداث أن نغير في مسيرة
حياتنا فكراً وشعوراً وسلوكاً بما يلزم من الاستمساك
بالدين والاعتصام بالكتاب والسنة وهذه بعض الخطوات
المطلوبة :
1- تجديد التوبة، وصدق
الالتجاء إلى الله، والاجتهاد في الاستقامة على شرع
الله، واجتناب المعاصي والابتعاد عما حرم الله.
2- تحقيق الأخوة الإيمانية
وتوكيد الرابطة الإسلامية بنصرة إخواننا المجاهدين في
فلسطين ببذل المال وتقديم الإغاثة لهم بكل الوسائل
والإمكانات المتاحة ومشاركتهم شعورياً وعاطفياً
باستشعار مصابهم وآلامهم، علماً بأن إخواننا من أهل
السنة في لبنان أصابهم بلاء كثير وحصل لهم تهجير كبير
وهم موجودون في مزارع شبعا الحدودية وبعض قرى الجنوب و
مدينتا صيدا وصور هما عمق سني لشمال لبنان.
3- التوعية بالحقائق الإيمانية
والمبادئ الإسلامية في مواجهة الأعداء ومجابهة الخطوب
وتوضيح المعاني الشرعية الصحيحة للمفاهيم الإسلامية
المهمة كالجهاد والولاء والبراء، وتعزيزها في ضوء
النصوص الشرعية والأحداث الواقعية وحقيقة الصراع بين
الحق والباطل مع التحذير من التخذيل واختلاط المفاهيم
.
4- التحذير من التطبيع
مع العدو الصهيوني، وبيان مخاطره الجسيمة،وتجاربه
الوخيمة، و توضيح ما ينتج عنه من الغزو الثقافي
والفكري، والخلل الاجتماعي، والضعف الاقتصادي،
والإتلاف الزراعي، فضلاً عن ا لتجسس والاختراق
الأمني، وغير ذلك من الأضرار الخطيرة التي تعين العدو
وتمكنه من النيل من المسلمين وإلحاق الضرر بهم وذلك
محرم لا يجوز بحال، ويلحق به في الحكم ما يؤدي إليه.
5- التخفف من الدنيا
وتجنب الركون إليها والبعد عن الاستكثار من المباحات
والانشغال بالكماليات ، والاعتبار بما جرى لإخواننا من
الدمار والعدوان، وتهيئة النفوس لحياة الجد والعزم،
واستنهاض الهمم لعيش العزة والكرامة، وتحديث النفس
بالدفاع عن الإسلام والمسلمين وصد عدوان المعتدين .
6- العمل على إحياء المقاطعة
الاقتصادية للبضائع والخدمات والمصالح التجارية
للكيان الصهيوني وأمريكا الداعمة له، والتنبيه على
أهمية ذلك وجدواه كسلاح من أسلحة المقاومة ضد العدو.
7- استحضار ضراوة المعركة
وخطورة المؤامرة التي يجتمع فيها العدو الصهيوني، مع
دعم مطلق من أمريكا، وتآزر مباشر وغير مباشر من
أوروبا، وأهمية إدراك استهداف مكامن القوة والعزة عند
المسلمين، والعمل على تفريق صفهم وتفتيت وحدتهم
والاستفراد بهم كلاً على حده على مستوى الدول والشعوب،
وضرورة تفويت الفرصة على الأعداء بالوحدة والنصرة حتى
لا يأتي يوم يقال فيه أكلت يوم أكل الثور الأبيض .
8- الابتهال إلى الله تعالى،
والقنوت في الصلوات، والتضرع في الخلوات، وتحري أوقات
الإجابة في جوف الليل والأسحار بأن يعز الله الإسلام
والمسلمين ويحبط كيد الأعداء المجرمين .
9- قيام علماء الإسلام
ودعاته ومفكريه بواجبهم في
إيقاظ الأمة وتنبيهها للمخاطر، وتقوية عزيمتها،
وحفظ إراداتها من أسباب الوهن والإحباط والاستسلام،
وكشف طرائق ومخاطر الذين يسعون في جعلها تابعة ذليلة
خانعة، ومن أوجب واجباتهم وضع التصورات والخطط وبرامج
الأعمال التي تستهدف نهضة الأمة ووحدتها ورفع
معنوياتها وزيادة فاعليتها ورسم مستقبلها وحفظ حقوق
أجيالها وعدم الاكتفاء بإلقاء التبعة في ذلك على
الحكومات.
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤ |