|

الاستيطان والاحتلال.. وجه واحد
معتصم حمادة – المركز
الفلسطيني للتوثيق والمعلومات
18-8-2009
------
ونحن نتصدى للاستيطان علينا
أن نتذكر قول دايان إن
الاستيطان أمر ضروري لتبرير
الاحتلال وللقول بأن وجود
الجندي الإسرائيلي هو لحماية
المستوطن الإسرائيلي.. كذلك
علينا أن نتذكر القول
الصهيوني الشهير إنه حيث تصل
جزمة الجندي الإسرائيلي تكون
حدود إسرائيل
رغم انشغال الرأي العام
بمؤتمر فتح ونتائجه، فإن قضية
الاستيطان لم تغادر مقدمة
المسرح السياسي، وبقيت واحدة
من القضايا الأكثر أهمية في
الاهتمامات السياسية، إن على
المستوى الفلسطيني، أو على
المستوى الإسرائيلي.
فالجانب الفلسطيني عاد وأكد،
على لسان أكثر من مسؤول
(محمود عباس، نايف حواتمه)
رفض العودة إلى طاولة
المفاوضات إلا بعد توقف
الاستيطان بكل أشكاله
وعناوينه، وأيا كانت ذرائعه.
-
أما الجانب الإسرائيلي فقد
بقي يتحدث عن حيوية
الاستيطان، وعن كونه حاجة
قومية وحياتية وأمنية
لإسرائيل، لا يمكن التوقف
عنه، مؤكدا إصراره على حق
دولة الاحتلال المزعوم في
الاستيطان في أي بقعة من بقاع
الضفة الفلسطينية والقدس
الشرقية. التقى حول هذا الأمر
رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو
(ليكود) وايهود باراك (العمل)
وإيلي يشاي (شاس).
وبذلك يكون موضوع الاستيطان
قد وضع على نار ازدادت
التهابا، ومعها بات من
الضروري طرح عدد من الأسئلة
التي يمكن القول إنها
إستراتيجية.
بنيامين نتنياهو انتهز ذكرى
الانسحاب الإسرائيلي من قطاع
غزة، وقام بجولة زار فيها
المستوطنين الذين أخلتهم
حكومة شارون من القطاع.
وتباكى نتنياهو على هؤلاء،
منتقدا الأوضاع التي
يعيشونها، والتي وصفها
بالمأساوية، وحمل حكومة شارون
مسؤولية الخطأ التاريخي الذي
ارتكبته (كما قال) حين انسحبت
من طرف واحد، ودون اتفاق مسبق
مع الفلسطينيين، وحين أخلت
المستوطنين، وحين نقلتهم إلى
أماكن بديلة لم تتوفر فيها
تلك الرفاهية التي كانوا
يتمتعون بها على شواطئ قطاع
غزة في تجمع مستوطنات غوش
قطيف. وأطلق من هناك من بين
الراجعين من غزة بأن حكومته
«لن تكرر هذا الخطأ»، تاركا
للآخرين أن يستنتجوا مقاصده،
هل يقصد بذلك الأوضاع المزرية
التي يعيشها الراجعون من غوش
قطيف، أم يقصد بذلك عدم
الانسحاب من طرف واحد، أم رفض
إخلاء المستوطنات في الضفة
على غرار ما وقع في القطاع،
أم هذا كله؟ في كل الأحوال،
لا يمكن للمراقبين إلا أن
يقرأوا تصريح نتنياهو في سياق
إصراره وحكومته على التمسك
بالاستيطان من الثوابت
السياسية والعقائدية التي لا
يمكن التخلي عنها أو التلاعب
بها، أيا كانت الضغوط
الأميركية والأوروبية.
رئيس
شاس ، ووزير الداخلية في
حكومة نتنياهو، إيلي يشاي،
دخل هو الآخر على خط
الاستيطان، فشارك إلى جانب
رئيس الكنيست رؤوفين ريفلين
في تدشين بناء حي جديد في
المناطق المحاذية للقدس،
والتي كانت الإدارة الأميركية
قد حذرت من خطورة البناء
فيها، كما أوضحت هآرتس
(11/8/2009). يشاي رد على
تعليقات الإدارة الأميركية
حول البناء الاستيطاني في هذه
المنطقة بالتأكيد أن
الاستيطان (هنا) حاجة وجودية،
وحيوية، وقومية، وأمنية
بالنسبة لإسرائيل. بالمقابل
ساعده رفيقه في التدشين
ريفلين بالتأكيد أنه «لا قدس
بدون معاليه أدوميم. كلاهما
عبارة واحدة».
اللافت للنظر أن الناطق بلسان
الخارجية الأميركية روبرت وود
وردا على سؤال عن خطوة يشاي و
ريفلين أن وزارته «لا تحاول
الرد على كل تصريح يصدر في
منطقة الشرق الأوسط» بذريعة
أن إدارة أوباما تعمل على
بناء خطوات ثقة بين الطرفين
الفلسطيني والإسرائيلي
لإحضارهما إلى طاولة
المفاوضات. وهكذا تتحول عملية
تدشين بناء حي استيطاني جديد
في محيط القدس المحتلة مجرد
تصريح ليس إلا، وليس خطوة
خطيرة تستهدف استكمال الطوق
حول القدس الشرقية في إطار
عملية تهويد لم تتوقف حتى
الآن.
إيهود
باراك ، زعيم حزب العمل،
ووزير الدفاع في حكومة
نتنياهو يشارك شخصيا في طقس
إدخال كتاب التوراة إلى كنيس
يسمى «أهل يتسحاق» يقع في
الحي الإسلامي في القدس
القديمة. الكنيس «اكتشفته»
فجأة الجمعيات الصهيونية
الدينية واستولت عليه بالقوة
رغم احتجاجات الفلسطينيين
والعرب والأميركيين
والأوروبيين والأمم المتحدة.
تبرع بترميمه المليونير
اليهودي أرفين موسكوفيتش.
مكتب باراك أكد أنه دخل
الكنيس في قلب الحي الإسلامي،
وأنه شارك في طقوس إدخال
التوراة إليه. «قيام» كنيس
يهودي في هذا الحي، ما هو إلا
خطوة أولى، من المتوقع أن
تتلوها خطوات لاحقة ستتماثل
في غزو المستوطنين للحي
الفلسطيني، والبحث عن مداخل
وذرائع وحجج لطرد سكانه منه،
وتحويل منازلهم إلى مستوطنات
جديدة على غرار ما يجري الآن
في حي الشيخ جراح، حيث تطرد
العائلات الفلسطينية من
بيوتها، لتتحول هذه البيوت
إلى أوكار للمستوطنين ينتقلون
منها لغزو المزيد من المنازل
في حملة تطهير عرقي تؤكد صحة
ما قاله شارون من أن حرب 1948
لم تنته بعد، أي أن مخطط
استيلاء الصهيونية على فلسطين
ما زال قائما على قدم وساق،
وحيث تقع جزمة الجندي
الإسرائيلي تكون حدود
إسرائيل.
إذن، الإسرائيليون متحدون
فيما بينهم على مواصلة
الاستيطان، وعلى صون إرث
تاريخي لحركتهم السياسية جرى
التنظير له بأساليب وأشكال
ولغات مختلفة، وفيما خص الضفة
الفلسطينية تستعيد الذاكرة
القول الصريح لموشيه دايان،
وزير دفاع دولة العدو في حرب
حزيران (يونيو) 67 حين ربط
بين الاستيطان وبين الاحتلال،
وبأن الاستيطان يبرر
الاحتلال. فوجود المستوطنين
في الأرض الفلسطينية يبرر
وجود جيش إسرائيلي لحمايتهم،
كما تستعيد الذاكرة القول
الصهيوني المعروف إنه «حيث
تصل جزمة الجندي الإسرائيلي
تكون حدود إسرائيل»،
وبالتالي، وبناءا عليه، يفترض
إعادة التأكيد أن الفلسطينيين
يقفون أمام معركة شديدة
التعقيد تنتظرهم، ليس على
قاعدة أنه بدون وقف الاستيطان
لا تستأنف المفاوضات، بل على
قاعدة تخليص الأرض من
الاستيطان والاحتلال معا،
وبدون هذا التخليص يصبح القول
بدولة فلسطينية مستقلة كاملة
السيادة بحدود الرابع من
حزيران (يونيو) 67 مجرد
أكذوبة. وحتى لا يكون هذا
الشق من البرنامج الوطني
الفلسطيني أكذوبة لا بد من
رسم الهدف، ورسم أدوات وآليات
تحقيقه.
التجربة تقول إن المفاوضات
(لوحدها) لم تشكل لا أداة ولا
أسلوبا ناجحين لتحقيق هذا
الهدف. بل إن «هذه» المفاوضات
، والتي قامت على أساس أوسلو،
وأساس مؤتمر أنابوليس شكلت
غطاء سياسيا لتوسيع
الاستيطان. وتؤكد أرقام
الخبير بشؤون الاستيطان خليل
التفكجي، والتي نشرت مرارا أن
الاستيطان كان ينشط أكثر
فأكثر في ظل المفاوضات،
ويتباطأ، أو يتوقف مع اشتعال
العنف، واندلاع الانتفاضة
والقتال ضد قوات العدو وضد
مستوطنيه. وحتى لا نذهب بعيدا
علينا أن نلاحظ أن الجانب
الإسرائيلي لا يكتفي فقط
بتحدي الولايات المتحدة
والمجتمع الدولي في مواصلته
للاستيطان، بل وكذلك يلجأ إلى
السلاح والقوة ليطرد
الفلسطينيين من ديارهم،
وليقمع تظاهراتهم الاحتجاجية،
وليمنعهم من الدفاع عن
أراضيهم بصدورهم العارية. وهو
ما يدعو مرة أخرى لمراجعة
أساليب مكافحة الاحتلال
ومكافحة الاستيطان.
- ولا يفيد القول هنا إن
المقاومة المسلحة تعود على
الفلسطينيين بخسائر، تفوق
فوائدها، وأنها تشكل ذريعة
للعدو ليصعد من اعتداءاته ضد
الشعب الفلسطيني. فالصراع مع
العدو لا يقاس بعدد الشهداء
هنا والقتلى هناك، بل يقاس
عبر قدرة المقاومة على إرهاق
العدو، ومنعه من الإقامة
السعيدة فوق الأرض الفلسطينية
ودفعه عبر النزيف اليومي في
جسد الاحتلال والاستيطان
لإجراء المراجعة الضرورية.
والمقاومة هنا، لا تقتصر على
العمل المسلح، بل هي
كل أشكال
المقاومة، المسلحة، والشعبية،
والمقاومة بالإعلام، وبالعمل
الدبلوماسي، والمقاومة أيضا
بالمفاوضات: المفاوضات التي
تتناغم مع المقاومة، وتتبنى
أهدافها، وتتمسك بها، وليس
المفاوضات التي تلتف على
المقاومة وترى فيها تشويشا
على المفاوض.
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
|