|

بسم الله الرحمن الرحيم
صف لي القدس يا أبي ؟
بقلم عفاف عنيبة-
روائية جزائرية
6-9-2009
-----
من زمن بعيد جدا سألت والدي رحمه الله
: " - صف لي القدس من فضلك يا أبي ؟
فرد علي رحمه الله قائلا: لم أزرها في
حياتي يا ابنتي وعرفتها في معجزة
الإسراء والمعراج عبر سيرة رسول الهدي
محمد صلي الله عليه وسلم وإن شئت
سأصفها لك كما تعرفت عليها من
مطالعاتي.
ثم سكت فقلت له محفزة :- ها
أبي
أنتظر وصفك.
فأبتسم لي ابتسامة عريضة و قال :-
القدس هي مسجد المليار ونصف المليار
المسلم عبر العالم إنها مسجد كبير
بكبر مدينة كبيرة مستلقية علي تلال و
مروج خضراء. لماذا أعتبر القدس مسجدا
؟ لأنها كانت أولى القبلتين فإليها
كان المسلمون الأوائل يتجهون في
صلاتهم وبعدها وقع اختيار الله على
مكة الأقرب إلى مسلمي قريش والمدينة
وبقت القدس ثالث الحرمين الشريفين
واحتفظت في ذاكرة الأنبياء الكرام
عليه السلام بطابعها المقدس الطاهر
النقي.
هناك فوق تلك الأرض التي تحمل عمران
القدس وأساسات المسجد الأقصى يشعر
المرء أنه أقرب إلى السماء السابعة من
أي بقعة أخرى فوق الأرض. هناك يجتمع
تراث اليهودية والمسيحية والإسلام
التراث الحقيقي الأصيل الذي لم تمسه
يد التحريف، في تلك الأرض مشي
الأنبياء من سيدنا إبراهيم إلى سيدنا
محمد عليهم الصلاة والسلام وهناك
وأمام حائط وقف حصان البراق المجنح
معجزة الله وأخذ على ظهره رسولنا محمد
صلوات الله عليه وعلى آله وسلم وطار
به معرجا إلى السماء السابعة.
تصوري ابنتي حجم ونوعية الإكرام الذي
كرم به الله مدينتنا القدس، مدينة
الصلاة مدينة سلام الإسلام. فهي فتحت
بدون سفك دماء حوصرت من طرف أربعة
قادة كلفهم الخليفة الثاني بفتح القدس
وهم على التوالي خالد بن الوليد، أبو
عبيدة الجراح، عمر بن العاص وشرحبيل
بن حسنة رضوان الله عليهم جميعا وأتي
اليوم الذي وقع فتحها سلميا وسار
إليها على بغلته سيدنا عمر الخليفة
الراشد رضوان الله عليه وعلى كل
الصحابة الكرام. في أرض بيت المقدس
وبين أعمدة وأقواس المسجد الأقصى أم
رسولنا محمد صلي الله عليه وسلم بكل
الأنبياء والرسل من سيدنا آدم إلى
سيدنا المسيح عليهم السلام جميعا
فصلي بهم صلاة الجماعة.
يا ابنتي من زار المسجد الأقصى سيروي
لك شعوره عندما يضع أول ما يضع قدماه
على أرضية باحة المسجد، إنه شعور لا
مثيل له ولا يماثله أي شعور آخر سوى
الوقوف أمام الكعبة في الحرم المكي.
يشعر المرء أنه واقف فوق غيمة سابحة
في فضاء السماء السابعة فتغمره مشاعر
لا مثيل لها من التوق والشوق لله الحق
الواحد الأحد.
بيت المقدس هي أرض طاهرة بني فيها
سيدنا إبراهيم بمعية ابنه إسحاق
عليهما السلام المسجد الأقصى وهذا بعد
أربعين سنة من بناءه بمعية سيدنا
إسماعيل عليهما السلام الكعبة في مكة،
فترين أن الأنبياء الكبار وعلى رأسهم
سيدنا إبراهيم شرفوا بيت المقدس
بمكوثهم فيها ونشرهم لرسالة الإسلام
في ربوع الشام وفي زقاق بيت المقدس
تجول سيدنا عيسي عارضا رسالته على بني
إسرائيل المشككين المغضوب عليهم فآمن
من آمن من أهل المدينة المقدسة برسالة
عيسي وكانت له جولات مع حواريه وفيها
أنزل الله المائدة المعجزة الحية وأكل
من فوقها حواريه ورغما من ذلك كفروا
واستحقوا الجزاء المذكور في الآية
القرآنية من سورة المائدة الآية 115 :"
قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر
بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه
أحدا من العالمين." فتلك الأرض
تحوي كل جميل كل طاهر كل ما هو سامي
وكل ما هو توحيد وقد دنسها الصليبيون
عندما طغوا وأجتاحوها محولين أنهارها
إلى شلالات حمراء من دماء شهداءها من
السكان المسلمين وعاثوا فيها فسادا
وقتلوا حتى الذميين من أهل ديانتهم
القاطنين بها وتدور دورة الحياة وبعد
ثمانون سنة من الاحتلال الصليبي
وولادة جيلين من المسلمين والقدس في
الأسر، سخر الله لها رجلا مسلما كرديا
السلطان صلاح الدين الأيوبي حررها
بقوة الحكمة وبقوة السيف وعاد
للمدينة بهاءها وسكينتها ورونقها
كمدينة سماوية. وعرفت المدينة بدورها
أيام عزة المسلمين وأيام ضعفهم.
فأعلمي يا عفاف أنه في 1835 أسس
الطالب اليهودي موريتز في براغ جمعية
تعني بعودة اليهود إلى فلسطين.
وفي 1847 كتب دي إسرائيلي كتابا
بعنوان "تانكريد"، داعيا فيه إلى حكم
ديني يهودي مسيحي على العالم كله.
وفي 1853 كتب اللورد شايفتسبوري وهو
بروتستانتي :" سوريا هي أرض بلا أمة
يجب أن تعطى لأمة بدون أرض وهو شعب
الله الذي اختاره الرب."
في 1861 بني أول حي يهودي "مشيكنوت
شعنانيم" خارج أسوار القدس.
في 1862 نشر موسي هيس كتاب " روما
القدس".
في 1870 أسس ميكفي إسرائيل أول مدرسة
فلاحية يهودية في يافا. وهكذا مضت
الحركة الصهيونية في نشاطها من أجل
الاستيلاء عبر خطوات عملية على الأرض
من هجرة وبناء وجود حضاري للمهاجرين
اليهود في فلسطين والقدس، حتى دخلها
الجنرال إدموند ألنبي في 9 ديسمبر في
1917 أي في نهايات الحرب العالمية
الأولي ومنذ ذلك التاريخ الحزين ضاعت
منا القدس فهي لم تسقط بين أيدي العدو
الصهيوني في جوان 1967 بل قبل ذلك
التاريخ بخمسين سنة. فالمسلمون لم
يحسنوا المحافظة عليها بالحفاظ على
مجموع الأرض التي تحتوي مساحتها
وأضاعوا بعد 1948 وقبل هذا التاريخ
فلسطين.
ففلسطين ترتبط عضويا بوجود القدس،
فالأنظمة العربية لم تكن على قلب رجل
واحد قبل 1948 وبعده و لم يحسنوا
التصرف عندما صدر التقسيم في 1947 في
الأمم المتحدة فهم عوض أن يأخذوا
الجزء الذي أسند للفلسطينيين وحاولوا
استرداد البقية بكل الوسائل المتاحة
رفضوا جملة وتفصيلا قرار التقسيم
الجائر ودخلوا في حرب مع العدو
الصهيوني وهم متفرقين لا توحدهم
إستراتيجية حرب واحدة موحدة والنتيجة
كانت منطقية : ضاعت فلسطين ومعها
القدس بيت السلام والصلاة.
نحن عام بعد عام نبتعد عن القدس وعن
واجب استردادها باعتبار أننا أمة
متفرقة مشتتة متنافرة تخلت عن دينها
وعن شرعها وعن سنة نبيها محمد صلي
الله عليه وسلم وأما أن نقيم مناسبات
لتذكرها فهذا لن يجدي نفعا لأن العدو
في القدس هود شوارعها وقراها وسورها
ويستعد للإطاحة بأساسات المسجد
الأقصى، فتري ماذا نحن فاعلون وشعوبنا
المسلمة ترزح تحت نير الاستبداد
المحلي بإيعاز من قوي الاستكبار
الكافرة ؟ متى ستفهم شعوبنا ونخبنا
بأنه آن الأوان لنسترد احترامنا
لأنفسنا فنكافح سلميا حتى نفوز بأنظمة
عادلة، فلا نخاف السجون ولا التضحيات،
للحرية والكرامة والعدل ثمن يا ابنتي،
علينا بدفعه لتعود إلينا القدس
وفلسطين.
سكت أبي فنظرت له وأنا أشعر بأنني بين
جنبات القدس:- أتدري أبي متى سنستعيد
القدس ؟
- لا، لا أدري يا ابنتي فالأمر في علم
الغيب.
- بلي أنا أعرف متي ستعود إلينا
القدس.
بهت والدي رحمه الله وسارع في سؤالي
:- طيب متي يا ابنتي ؟
- في اليوم الذي سنكون بقوة وتطور
العدو سنسترجع فلسطين وهذا لن يحدث
اليوم أبي، أظن أنه سيستغرق وقتا
طويلا. أجبته بصوت حزين.
فأخذني بين يديه وربت على كتفي قائلا
: - لا يهم متى عفاف المهم أن ذلك
اليوم سيعيشه أحفاد أحفادنا إن شاء
الله.
هذا الحوار جري
بيني وبين أبي في نهاية السبعينات.
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
|