|
﴿ بسم الله الرحمن
الرحيم ﴾

واجبنــــا نحو القـــــدس
يوم القدس العالمي السادس على الانترنت
السبيل أونلاين – تونس
--------
القدس في قلب الأمة..
لا شك أن القدس- وقضية فلسطين عموما - تحتل مكانة رفيعة في
قلوب المسلمين، ومن مظاهر تلك المكانة تعاطفهم المتواصل مع
الفلسطينيين في كل المحن والنكبات التي مروا بها، ومن
مظاهرها أيضا صور المسجد الأقصى التي تجاور صور المسجد
الحرام في كثير من بيوت المسلمين حول العالم. ولقد أدهشني
مشهد رأيته إبان بداية انتفاضة الأقصى سنة
2000
عبر قنوات الأخبار: صور لمظاهرة آلاف من نساء اندونيسيا
وشاباتها تضامنا مع الانتفاضة، والملفت هو اللقطة التي
ركزت عليها الكاميرا لفتاة محجبة في عمر الزهور وهي ترفع
يديها بالدعاء لفلسطين وتبكي بكاء حارا!!. فعجبت لهذا
المشهد وتساءلت: فتاة في أقاصي الدنيا بعيدة آلاف
الكيلومترات عن القدس!!.. وربما لا تعرف الكثير من
المعطيات عن القدس وعن فلسطين.. وقد لا تعرف موقعها على
الخريطة أصلا.. لكنها مع ذلك تحضر وتشارك في المناصرة..
ولا تكتفي بذلك بل وتبكي بالدموع!! سبحان الله من أين أتى
هذا الشعور؟؟ ومن أين جاءت هذه العاطفة الجياشة؟؟ رغم بعد
المسافات.. ورغم اختلاف اللغات والقوميات.. ورغم طول العهد
على النكبات..؟؟.
القدس في قلب العقيدة..
إن السر في ذلك هو ارتباط القدس وفلسطين عند عموم الأمة
الإسلامية برموز دينية نابعة من قلب العقيدة وراسخة في
قلوب المسلمين: المسجد الأقصى، والإسراء والمعراج، وقبلة
الصلاة الأولى. ومن الآيات المهمة التي أصلت هذه الرموز
قوله تعالى:(سُبْحَانَ الَّذِي
أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ
لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ )(الإسراء:
1)..
فهذه الآية تشير إلى أرض فلسطين وإلى المسجد الأقصى
باعتبارها هدفا لرحلة الإسراء ومنطلقا لرحلة العروج إلى
السماء.. والآية تربط أيضا بين المسجدين: المسجد الحرام
والمسجد الأقصى، بل أكثر من ذلك فإن الآية تربط بين
المساجد الثلاثة: فتسمية الأقصى هي تسمية قرآنية مستحدثة
وكان فيما قبل يدعى مسجد بيت المقدس، وهي تسمية لها دلالة
على مواقع المساجد الثلاثة وإلى ذلك يشير الشيخ الطاهر ابن
عاشور: (وفي هذا الوصف بصيغة التفضيل - باعتبار أصل وضعها-
معجزةٌ خفية من معجزات القرآن إيماء إلى أنه سيكون بين
المسجدين مسجد عظيم هو مسجد طيبة الذي هو قَصِيٌ عن المسجد
الحرام، فيكون مسجد بيت المقدس أقصى منه حينئذٍ. فتكون
الآية مشيرة إلى جميع المساجد الثلاثة المفضلة في الإسلام
على جميع المساجد الإسلامية، والتي بيّنها قول النبي:"
لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام،
والمسجد الأقصى، ومسجدي"(متفق عليه))(التحرير
والتنوير ج
15/ص
15)..
والآية تؤكد مباركة الأرض حول المسجد وهي فلسطين وأرض
الشام عموما، وهي التي يعنيها قوله تعالى:
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا
نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ
أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ
يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا
الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا
خَاسِرِينَ)(المائدة:
20/21)..
جاء في تفسير القرطبي:(" المقدسة " معناه المطهرة. قال
مجاهد: المباركة، والبركة التطهير من القحط والجوع ونحوه.
قال قتادة: هي الشام. ومجاهد: الطور وما حوله. وابن عباس
والسدي وابن زيد: هي أريحاء. قال الزجاج: دمشق وفلسطين
وبعض الأردن. وقول قتادة يجمع هذا كله }أي الشام{) (تفسير
القرطبي ج
6
/ ص125)..
ومعنى البركة:(نماء الخير والفضل في الدنيا والآخرة بوفرة
الثواب للمصلين فيه وبإجابة دعاء الداعين
فيه)(التحريروالتنوير ج
15
/ ص 19).
(وبارك الشيء إذا جعل له بركة وهي زيادة في الخير، أي
جُعلت البركة فيه بجعل الله تعالى، إذ قَدّرَ أن يكون
داخلُهُ مُثاباً ومحصّلا على خيْر يبلغه على مبلغ نيته،
وقدّر لمجاوريه وسكّان بلده أن يكونوا ببركة زيادةِ
الثَّوابِ ورفاهية الحال، وأمر بجعل داخله آمناً، وقدّر
ذلك بين النَّاس فكان ذلك كلّه بركة) )(التحريروالتنوير ج
4
/ ص 16).
(وأسباب بركة المسجد الأقصى كثيرة كما أشارت إليه كلمة {
حوله }. منها أن واضعه إبراهيم عليه السلام، ومنها ما لحقه
من البركة بمن صلى به من الأنبياء من داوود وسليمان ومن
بعدهما من أنبياء بني إسرائيل، ثم بحلول الرسول عيسى عليه
السلام وإعلانه الدعوة إلى الله فيه وفيما حوله، ومنها
بركة من دُفن حوله من الأنبياء، فقد ثبت أن قبري داوود
وسليمان حول المسجد الأقصى. وأعظم تلك البركات حلول النبي
صلى الله عليه وسلم فيه ذلك الحلول الخارق للعادة، وصلاته
فيه بالأنبياء كلهم.)(التحرير والتنوير ج
15
/ ص 20).
ومن فضائل المسجد الأقصى أنه كان القبلة الأولى للمسلمين
في صلاتهم قبل تحويلها باتجاه المسجد الحرام بمكة؛ فقد
أخرج البخاري ومسلم عن البراء ابن عازب رضي الله عنه قوله:
(صليت مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا حتى نزلت { قَدْ نَرَى
تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ
قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ
شَطْرَهُ }(البقرة:
144)..
ومن فضائله أن الصلاة فيه تساوي أضعافا مضعفة للصلاة في
غيره، فقد جاء في الحديث الذي رواه الطبراني عن أبي
الدرداء والبيهقي عن جابر بسند حسن قول النبي صلى الله
عليه وسلم: (صلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وصلاة
في مسجدي ألف صلاة، وصلاة في بيت المقدس خمسمائة صلاة)..
ومن فضائله أنه أول مسجد بني بعد المسجد الحرام ففي الحديث
النبوي: (أول مسجد وضع في الأرض المسجد الحرام ثم المسجد
الأقصى و بينهما أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصلاة بعد
فصل فإن الفضل فيه) (رواه البيهقي والنسائي).. ومن فضائل
تلك الأرض المباركة - بيت المقدس وما حولها من أرض فلسطين
والشام - أنها ستكون أرض المحشر يوم القيامة لقول النبي
صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح
(الشام أرض المحشر والمنشر)،(وعن
ميمونة بنت سعد مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت:
يا نبي الله افتنا في بيت المقدس؟
فقال: أرض المحشر والمنشر)..
القدس في قلب تونس..
والتونسيون كشأن بقية المسلمين متعلقون بالقدس وبفلسطين
عموما، بل أدّعي أن التوانسة لهم تعلق خاص بتلك الأراضي،
ولا أدل على ذلك من مشاركتهم في حرب
48
على أرض فلسطين. حيث شارك عشرات التوانسة متطوعين في تلك
الحرب باعتبارها جهادا في سبيل الله، لم يثنهم عن ذلك كون
بلادهم أيضا محتلة إذ يرون أن المعركة واحدة، وأن الشأن
الخاص للبلد لا يمثل عائقا للمساهمة في الشأن العام للأمة،
وأن الأرض المباركة والمقدسة في القرآن تمثل أولوية للمسلم
رغم ظروفه المحلية، كما لم يثنهم بعد المسافات عن الوصول
لساحة المعركة للقيام بواجب النصرة.
ومن دلائل تعلق التونسيين بالقدس وحضورهم المبكر في هذه
القضية حتى قبل حرب
48:
المساهمة الجليلة للشيخ عبد العزيز الثعالبي أحد أكبر رموز
الحركة الوطنية والإصلاحية التونسية. فالشيخ الثعالبي بعد
أن ضيق عليه الاستعمار في تونس لم يجد وجهة خارج البلاد
إلا إلى القدس حيث أقام لسنوات، توثقت أثناءها علاقته مع
مفتي القدس الشيخ أمين الحسيني فصار مستشارا له، وعملا
سويا لعقد المؤتمر الإسلامي للقدس أواخر سنة
1931،
حيث تنادى قادة العالم الإسلامي للاجتماع في القدس لتدارس
أوضاع قضية فلسطين في تلك الأوقات المبكرة من اندلاعها.
وقد اختير الشيخ عبد العزيز الثعالبي عضوا في اللجنة
الدائمة للمؤتمر الإسلامي للقدس.
- على أن حضور قضية القدس وفلسطين عند التوانسة لا زال –
بفضل الله- قائما إلى الآن لم تمسه أو تأثر عليه كل
محاولات التطبيع أو التمييع. ولا أدل على ذلك الشهداء
التونسيين الذي استعيدت جثامينهم من الكيان الصهيوني في
صفقة تبادل الأسرى الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، وكانوا
ثمانية شهداء قدموا أنفسهم فداء لفلسطين خلال السنوات
العشرين الأخيرة. ويمكن التأكيد هنا بكل اطمئنان على أنك
قد لا تجد في تونس قضية محل إجماع بين التونسيين بمختلف
مشاربهم وأفكارهم مثل إجماعهم والتقائهم على قضية فلسطين.
القلب مع القدس.. فأين العقل؟؟
- على أن تعلق عموم المسلمين بالقدس وقضية فلسطين تشوبه-
مع الأسف- شائبة الارتباط العاطفي البحت بعيدا عن المعرفة
الدقيقة بمجريات الأمور وبعيدا عن التفاعل العملي اليومي
والمدروس والمخطط. وقد تابعت قبل سنوات حملة تعريفية قامت
بها إحدى المؤسسات الفلسطينية لتعريف الناس بأن القبة
المعروفة في المسجد الأقصى بلونها الذهبي المتميز ليست في
الحقيقة قبة المسجد الأقصى بل هي قبة مسجد الصخرة، وأن
المسجد الأقصى تحديدا له قبة خضراء اللون مختلفة تماما عن
قبة الصخرة، وأن الحرم القدسي الشريف يضم داخلة أربعة عشر
مسجدا من بينها المسجد الأقصى و مسجد الصخرة والمصلى
المرواني وغيرها. ولم يكن الدافع وراء هذه الحملة الترف
المعرفي بل الخشية أن تمتد يد التخريب اليهودي للمسجد
الأقصى مع عدم المساس بقبة الصخرة فتمر الأمور على الجميع
ظنا منهم أن المسجد لم يلمس باعتبار أن المسجد الأقصى
لازال قائما لأن القبة الذهبية المعروفة لم تلمس بسوء!!!.
- ومن مظاهر تلك العلاقة العاطفية بقضية فلسطين أن شكل
تفاعل المسلمين معها يأخذ طابع الهبّة القوية الحماسية في
شكل مسيرات ومظاهرات حاشدة لكنها سرعان ما تنطفئ وتذوي بلا
مردود عملي يؤثر على مجريات الأمور. والملاحظ أيضا أن تلك
الهبات لا تقع إلا كرد فعل وليس كمبادرات، وهي لا تقع إلا
تفاعلا مع أحداث كبيرة ولا علاقة لها بمجريات الأحداث
اليومية التي تؤثر بالتراكم، وهي أيضا تقع على فترات
متباعدة، وتكاد تفاجئ الجميع بمعنى أنها غير متوقعة في
كثير من الأحيان.
- ورغم أهمية كل تلك الهبات وضخامتها العددية وتوسعها
الجغرافي في طول العالم الإسلامي وعرضه، ورغم ضرورتها
لتأكيد الحضور المساند لقضايا الشعب الفلسطيني في وقتها،
إلا أن ذلك لا يكفي لتفعيل كل تلك الطاقات الحماسية لدى
الأمة لنصرة قضيتها الأولى.
ما الذي تريده القدس منا ؟؟
1- المطلوب إذن تحويل ذلك الرصيد العاطفي العميق إلى أرصدة
معرفية وعملية تخدم قضية القدس وفلسطين بشكل مدروس ومخطط.
2- المطلوب تحويل التحرك الظرفي المؤقت إلى تحرك يومي دائم
فتكون قضية القدس وفلسطين في جدول أعمالنا اليومية إلى
جانب أعمالنا الأخرى.
3- المطلوب تحويل التحركات الشعبية العارمة إلى تحركات
فردية تشمل الجميع، وإلى مجموعات عمل متواصل.
4- المطلوب تكوين جمعيات في كل البلدان الإسلامية والعربية
لخدمة القدس على مدار السنة.
5- المطلوب استراتيجية واضحة لخدمة القدس وفلسطين تؤطر كل
هذه الجهود، يتوافق عليها قادة الفكر والرأي والسياسة
والإعلام في العالم العربي والإسلامي، ولعل إنشاء مؤسسة
القدس قبل بضع سنوات سيساهم في إحداث النقلة النوعية من
العاطفة إلى الفعل.
بقلم : محب الدين التونسي
أسرة السبيل أونلاين
www.assabilonline.net
info@assabilonline.net
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤ |