بيت عربي استولت عليه الجمعيات الاستيطانية في وسط الحي الاسلامي في البلدة القديمة في القدس

عوالمٌ أخرى .. ونحن نيام!

هنادي قواسمي - الجزيرة توك - القدس المحتلة

-----------

 

نحن نعرف عنكم الكثير وندرس كل ما يخصكم، أما أنتم فقليلٌ منكم من يختص بالدارسات الإسرائيلية، لدنيا الكثير من المختصين بالشرق الأوسط والاسلام، بينما يكاد ينعدم لديكم المختصون بما يتعلق بنا، ولا أذكر الا اسم عبد الوهاب المسيري"، هكذا قال لي ذات مرة محاضرٌ إسرائيلي في الجامعة العبرية. كان تعليقه ذلك على هامش محاضرة حضرتُها له تكلم فيها باسهاب عن فكر الشيخ يوسف القرضاوي، وأنا أستمع مندهشة بكمية المعلومات التي يعرفها ، وبحقيقة كونه قارىء ومحلل لكل كتاب- مهما صغر- يصدر للقرضاوي. الحكمة ضالة المؤمن ، أينما وجدها فهو أولى بها، فاستفزني تعليقه، وأثر فيّ أكثر عندما أصبحتُ في اليوم التالي بالضبط لأسمع خبر وفاة المسيري رحمه الله..

بتُّ أتساءل بعدها: نحن في صراعٍ معهم منذ سنوات طويلة، فماذا نعرف عنهم ؟! في كل جامعاتهم كلية مختصة بدراسات الشرق الاوسط، بينما تكاد تنعدم في جامعاتنا كلية الدراسات الإسرائيلية ! تمتلأ كليات العلوم السياسية لديهم بمتحدثي اللغة العربية، بينما يقل متحدثو اللغة العبرية عندنا، حتى من ضمن من يفترض بهم التخصص بالدراسات الاسرائيلية.


تجدنا دوماً نتكلم عن القدس قبلة المسلمين الأولى ومسرى رسولهم الكريم، ونستذكر تاريخاً حافلاً بالمجد الضائع كان لنا فيها ، وكأن هذا الإرث العريق وحده الكفيل بالخلاص لنا ، دون عمل و اجتهاد. تماماً كمن يفخر بنسب أجداده وأخبارهم الطيبة الذكر وهو الخالف القاعد، يظنُ المسكينُ أن أصالة من سبقوه ستكفيه وتنجيه. سياسيونا يطالبون بدولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية ، وينددون بما تتعرض له على يد مغتصبيها. علماؤنا يحثون على الرباط فيها ، ويستفيضون في سرد فضائلها. أما بعد فلا شيء ! تظل كلماتهم حبيسة قاعات الاجتماعات والمؤتمرات والمنابر. هذا وغيرنا يسبق كلاماً بعمل لا يتوقف و تغيير متسارع لوجه الحقيقة على الأرض. وبينما نحن نيام عوالم أخرى هناك تتحرك.

قوانين اسرائيلية تحرّم التنازل عن أي شبر في القدس
على صفحة البرلمان الإسرائيلي على الانترنت يجد المتصفحُ قانوناً أصدر عام 1980 بعنوان " القدس عاصمة إسرائيل". القانون المذكور من نوع "القوانين الأساسية" ، وهي القوانين التي تتمتع بسيادة وأولوية على القوانين الاخرى، وهي كذلك التي لا تتغير إلا بقانون أساسي يحصل على موافقة أغلبية أعضاء الكنيست ( 61 عضواً من أصل 120). القانون المذكور ينص على أن القدس " الكاملة والموحدة" هي عاصمة اسرائيل ومستقر الرئيس والبرلمان والحكومة ومحكمة العدل العليا. ويستفزك القانون أكثر حينما يُذكِّر أنه يجب الحفاظ على الأماكن المقدسة للأديان الثلاثة في المدينة وألاّ يُمنع قاصدوها للعبادة من الوصول إليها. ويضيف أن المدينة ستحظى بوهب خاص يسمى "وهب العاصمة" يخصص لتطويرها ودعم بنيتها التحتية.

 

وخوفاً من أن يقلل من حجم وأهمية القانون وحتى لا تلين الأجيال الاسرائيلية القادمة وتُغَيّره أُضيف عليه عام 2001 فرعان جديدان. يُشدِّدُ الأول على أن حدود المدينة هي تلك التي حُددت في حزيران 1967 ، أي بما يشمل شرقي القدس التي احتلت ذلك العام. أما الثاني فيُحَرِّم نقلَ صلاحيات " دولة إسرائيل أو بلدية القدس لأي جهة أجنبية أخرى". بكلمات أخرى فإن القانونَ يضعُ شرقي القدس ضمن حدود دولة "إسرائيل" ويمنع التنازل عنها ونقل إدارتها ولو مدنياً لأي جهة أخرى، مما يعكس رفض وجود دولة فلسطينية بعاصمة مقدسية بأي حال من الأحوال، لدرجة أن يُؤسس لهذا الرفض قانونياً.

ومؤخراً ازداد حرص من يعتبرونها عاصمتهم الأبدية ولأجل ما قالوا أنه "ضمان وحدة المدينة"، تقدّم نوابٌ في الكنيست في أيار الماضي بمشروع تعديل للقانون ينص على أن لا تتغير حدود القدس إلا بموافقة 80 نائباً من نواب الكنيست بدلاً من 61 نائباً كما في القانون الحالي، مما يجعل من شبه المستحيل أن تتم الموافقة البرلمانية على التنازل عن شرقي القدس.

أميركا أيضاً لم توفر جُهداً في الجانب القانوني فيما يتعلق بالقدس المحتلة. فقبل حوالي أسبوع طالب نائب في مجلس النواب الأميركي بتطبيق قانون أميركي سُن عام 1995 يعترف بالقدس "الموحدة" كعاصمة لإسرائيل، وينص على نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إليها. ولكن بما أن أحد أفرع ذلك القانون يُعطي للرئيس الأمريكي الصلاحية في تأجيل تطبيقه، فإنه منذ ذلك الوقت يؤجل ولا يطبق، فجاء ذلك النائب مطالباً بتطبيقه. ويضيف النائب حسب وكالات الأنباء أن "القدس يجب أن تظل مدينة غير مقسمة، وأن يكون لكل مواطن إسرائيلي الحق في الإقامة في أي مكان في مدينة القدس الموحدة".

ثلثا الاسرائيليين يؤيدون الاستيطان في شرقي القدس
الشعب الإسرائيلي كذلك لم ينأى برغباته عن قوانين دولته وأمريكا، ففي استفتاء مشهور تجريه جامعة تل أبيب شهريا تحت عنوان " مقياس الحرب والسلام" تبيّن في نتائج شهر تموز الماضي أن 66 % من الجمهور اليهودي يعتقدون أنه يحق لاسرائيل البناء في الشيخ جراح مبررين ذلك بأن القدس كلها عاصمة اسرائيل ولا جدال على حقها في البناء في أي مكان تريده فيها.

احتفال استيطاني بدعم أمريكي في قلب الشيخ جراح
وليس على صعيد القوانين والاستفتاءات وابداء الآراء فحسب، بل كذلك على أرض الواقع وبالخطوات الفعلية، فاسرائيل تفهم أن الحبر على الورق والكلام في الهواء لا يكفيان وحدهما لتغيير واقعٍ وصناعة نصر. ففي قلب القدس المحتلة وبينما تشغلنا الاهتمامات الاخرى تتفاقم عمليات الاستيطان ويزداد التضييق على المقدسيين أصحاب الأرض الأصليين، وها هي الجمعيات الاستيطانية تجند الجمهوريين الأميركيين لصالحها . ففي خطوة استفزازية يقيم اليمين الاسرائيلي مع جمعية "عطيرت كوهنيم" الاستيطانية غداً الأحد حفلَ عشاءِ في فندق "شبرد" في الشيخ جراح، والذي كان في يوم مضى مقر مفتي القدس الحاج أمين الحسيني.


أما الفندق الذي سيقام فيه الحفل فيُخطط مكانه لبناء شقق فندقية فاخرة للمستوطنين تبلغ 200 وحدة. وقد وصل إلى أيادي المستوطنين بعد باعته شركة سياحية فلسطينية في الثمانينيات، بسبب ضائقة مالية مرت بها، لشركة سويسرية تبين فيما بعد أن ملكيتها تعود للمليونير الأميركي اليهودي أرفنج موسكوفيتز، الذي ضخ منذ تسعينات القرن الماضي ما يزيد عن 100 مليون دولار في عروق الاستيطان في القدس المحتلة والضفة الغربية.

 

وأموالنا لا تعرف للقدس طريقاً
تلك المبالغ الضخمة تعيدني إلى تلك الجامعة التي سمعتُ فيها تلك الكلمات حيث تجدُ على باب كل غرفة فيها مهما كان حجمها لافتةً صغيرة تذكر اسم وبلد المتبرع ببنائها وتجهيزها . هو يهوديُّ من نيويورك أو سان فرانسيسكو أو بوسطن أو ميامي أو غيرها، لا يهم .. لكنه لم يهمل "قضيته" ولو بصفٍ دراسيٍّ. أما نحنُ، فأموالنا مُغيبة أو ربما لها استثماراتها الأكثر ريعاً، ولا يصف الحال أكثر من كلمات الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري مدير وكالة بيت مال القدس الشريف في لقاء مع اسلام اونلاين بأن ثريًا عربيا واحدًا يمكنه أن يغطي نفقات دعم القدس وأهلها.

 

نهايةً، فأمامنا مشهد عبثيٌّ باقتدار، شعوبٌ أعياها المستبدون وأشغلها الزمن عن قضيتها، ومسئولون يتهافتون على حلولٍ لا تُرضي تاريخاً ولا تُعيد حقاً. و بينما صاحب الحق يساوم على فتات أرض وبقايا عاصمة و يقدس خارطة طريق ومزاعم سلام، يلهو صاحب الباطل على خاطره ويرسم لوحة القدس بيديه كيفما شاء، آملاً أن يبقى غريمه نائماً حتى اكتمال اللوحة المزيفة، ولا يزال مطمئناً إذ لا اشارات على صحوة قريبة تصده.

 

 

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤