﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾

 

 

مشاركة ليوم القدس العالمي

زياد الحموري

مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية

 --------

 

بعد ثلاثة أسابيع من احتلال القدس العربية مع بقية الأرض الفلسطينية، أعلنت الكنيست الإسرائيلية بتاريخ 27/6/1967، ضم القدس العربية إلى دولة إسرائيل.

وفي 30/7/1980، أعلنت الكنيست مجددا، "أن القدس الكاملة والموحدة هي عاصمة إسرائيل".

ومن جهتها تبنت الجمعية العمومية للأمم المتحدة، لدى مناقشتها للإجراءات الإسرائيلية في القدس العربية المحتلة تبنت في الرابع من تموز 1967، القرار 2253، والذي ينص على:

 

1-   جميع هذه الإجراءات لاغية.

2-    تدعو إسرائيل للتخلي عن جميع الإجراءات التي اتخذت للامتناع لاحقا عن اتخاذ أية إجراءات يمكن أن تغير الوضع القائم في القدس .

وفي الثاني من أيار 1968، اتخذ مجلس الأمن الدولي، بدوره القرارين 250 و 251، اللذان يؤكدان على مضمون قرار الجمعية العمومية السالف الذكر. وبعد ذلك تكررت قرارات الجمعية العمومية ومجلس الأمن ضد الإجراءات الإسرائيلية المستمرة لتغيير معالم القدس العربية المحتلة، لكن، كما هو معلوم، فقد كانت إسرائيل دوما تتجاهل قرارات الشرعية الدولية، وذلك في ضوء عجز المؤسسة الدولية عن اتخاذ أي إجراء يلزم إسرائيل باحترام هذه القرارات، بسبب الاعتراض الأميركي.

 

- وبرغم ذلك، بقيت عملية ضم القدس العربية لدولة إسرائيل تلقى رفض المجتمع الدولي كله ولا تحظى باعتراف أية دولة أو طرف.

ومعروف، في هذا السياق، أن المجموعة الأوروبية تحتفظ بموقف متميز، ينطلق في التعامل مع قضية القدس، شرقها وغربه، على أساس قرار العمومية للأمم المتحدة رقم 181، القاضي بتقسيم فلسطين وبتدويل القدس الكاملة والصادر في 29/11/1947.

 

وكانت مدينة القدس قد قسمت إلى مدينتين: غربية إسرائيلية، وشرقية عربية، عندما جرى تعيين الخط الفاصل بينهما في 22/7/1948، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار وتكرس هذه التقسيم، بعدئذ في اتفاقية الهدنة بين إسرائيل والأردن، في جزيرة رودس بتاريخ 3/4/1949.

 

منذ اليوم الأول لاستيلاء الجيش الإسرائيلي على القدس العربية عام 1967، بدأت وعلى الفور، إجراءات تغير معالم المدينة، بما في ذلك هدم أحياء بكاملها، كما جرى مع حي المغاربة داخل البلدة القديمة، وتغيير بعض أسماء الشوارع والمواقع وغيرها من الإجراءات. ولكن أخطر إجراء جاء بعد قرار الكنيست ضم القدس العربية لإسرائيل، كان قرار توسيع المدينة على حساب أراضى الضفة الغربية المحتلة. فبينما كانت مساحة القدس العربية قبل الاحتلال 1500 هكتار- (6كم2) فقد أصبحت بعد قرار التوسيع الأول 18 هكتار (72كم2) أي تضاعفت مساحتها اثنا عشرة مرة دفعة واحدة. وطبعا، لم يكن هذا نهاية عملية التوسيع، وآخر حلقات هذا التوسيع الإجراءات الجارية لضم مستوطنة معاليه-أدوميم، في إطار مشروع القدس الكبرى الإسرائيلية.

 

ومنذ إعلان الضم والتوسيع، تجري عملية بناء إسرائيلية مكثفة لتجمعات سكنية يهودية في القسم الشرقي من القدس، حتى قارب عدد سكان اليهود في التجمعات السكنية والمستوطنات التي أقيمت فوق الأراضي الفلسطينية المصادرة شرقي القدس، عدد سكان القدس العربية أنفسهم مع العلم انه قبل الاحتلال لم يكن أي اسرائيلي موجود في القدس العربية.

هذا بينما يجري وضع مختلف العراقيل في وجه عملية بناء الساكن لاهل المدينة العرب.

 

وبينما شكل السكان العربية 25.8% من مجموع سكان القدس شرقيها وغربيها – بعد إعلان الضم – عام 1967، فقد بلغت هذه النسبة 28.8% عام 1995، بسبب نسبة الولادة العدلية بين العرب المتمسكين بالبقاء في مدينتهم.

وهذا ما دفع بعض المسؤولين الإسرائيليين مؤخرا منع أي خلل ديموغرافي في المدينة لصالح العرب وهذا ما جعل السلطات المحتلة تتجه نجو  خطوات و الإجراءات بما فيها بناء جدار العزل  العنصري

 

أما مواطنو القدس العربية، الذين ولدوا وعاشوا فيها على مر السنين، فقد تحولوا فجأة بموجب القانون الإسرائيلي، بعد إعلان ضم مدينتهم لإسرائيل إلى مجرد أجانب لهم حق الإقامة فقط في مدينتهمّ وأي خروج على القانون الإسرائيلي الذي ينظم إقامة الاجانب، كاف لطرد أي مواطن عربي فلسطيني من مدينة القدس العربية. وهذا ما جرى وما يزال يجري مع المئات والألوف منهم والتقديرات ان اكثر من مئة وخمسون الف مقدسي مهددين بسحب هوياتهم.

وبينما يتاح لأي إسرائيلي- يهودي أو مؤسسة إسرائيلية – يهودية امتلاك أي عقار في القدس الشرقية، ولو بأساليب الإكراه والاحتيال- وهو ما شبه في العديد من الحالات، حتى أمام القضاء الإسرائيلي- فان مواطن القدس العربية، والمقيم فيها لا يحق له استعارة ممتلكاته في القدس الغربية الإسرائيلية، التي كانت في حوزته حتى 15/5/1948، ويمتلك كل الوثائق الخاصة بها، بل ولا يحق له إعادة شرائها من جديد!

 

وعشية دخول السلطة الفلسطينية أرض الوطن عام 1993، قامت السلطات الإسرائيلية بفرض طوق على القدس، منعه بموجب وصول الفلسطينيين من الضفة والقطاع إلى القدس بتصاريح خاصة.

ومع زمن هذا الحصار، تم عزل مدينة القدس العربية عن مجالها الحيوي من المدن والقرى الفلسطينية، بما في ذلك عرقلة بل وفي كثير من الأحيان منع الوصول إلى الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في المدينة.

وبسبب هذا الحصار الذي مضى عليه أكثر من خمسة عشر عاما حتى الآن، راحت الحياة الاقتصادية وبخاصة التجارية تذبل وتتراجع حتى بلغت مستوى الأزمة المزمنة ، فمئات الحوانيت داخل سور البلدة القديمة وخارجه مغلقة اليوم، بسبب الركود التجاري من جهة وثقل الضرائب التي تفرضها السلطات الإسرائيلية من الجهة الأخرى.

وتلجأ السلطات الإسرائيلية لتحصيل هذه الضرائب الباهظة إلى مختلف الوسائل، بدءا باغارة الشرطة الإسرائيلية على بيوت المكلفين العاجزين عن الدفع ومصادرة محتويات بيتهم أي ربط تسجيل مولود جديد في بطاقة هوية أحد والديه، ليكتسب حق السكن في القدس، بتقديم والديه وصولات تثبت تسديد الضرائب المطلوبة.

 

أ- ن الإقامة والعيش في القدس العربية المحتلة صعب جدا بسبب الإجراءات والتشديدات التي تصعدها السلطات الإسرائيلية وفق المخطط مرسوم وعلى كافة الأصعدة، بهدف إرغام أهلها على الرحيل تمهيدا لتهويدها.

 

- وإذا كان حكام إسرائيل يتطلعون إلى تأجيل التفاوض على مصير القدس واللاجئين، لابعد زمن ممكن، فذلك بفرض مواصلة هذه الإجراءات العنصرية المستهدفة إكراه سكان القدس العربية على الرحيل، واستكمال تغيير معالمها وتزييف تاريخا، وصولا إلى هدفهم المعلن حول مصير المدينة. ومعلوم أن هذه السياسة مخالفة:

 

أولا: لقرار مجلس الأمن 242، الذي ينبغي أن يشكل هدف المفاوضات كما تقرر في مدريد وأوسلو والذي يقضي بالانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي التي احتلت في حرب 1967، وتكرس معناه الكامل في نماذج الانسحابات على الجبهتين المصرية والأردنية، وكذلك على الجهة السورية- كما هو متوقع- في ضوء القبول الإسرائيلي المبدئي بالعودة إلى حدود 4 حزيران 1967.

 

ثانيا: سلسلة- القرارات اللاحقة لمجلس الأمن الدولي والجمعية العمومية التي تعتبر القدس العربية جزءا لا يتجزأ من الأرض المحتلة، وتعتبر كل الإجراءات الإسرائيلية فيها لاغية وغير شرعية.

ثالثا: اتفاق أوسلو الذي نص على عدم قيام أي من الطرفين بإجراءات أحادية الجانب تؤدي إلى تغيير الوضع القائم.

إن مواضيع التفاوض المتفرعة عن قضية القدس، فهي في الأساس قضايا: السيادة، الحدود، الخدمات البلدية، والأماكن المقدسة.

 

ومعروف أن الطرف الفلسطيني عبر أكثر من مرة عن استعداده للتعاطي بإيجابية وروح بناءة، حول أية ترتيبات يتم الاتفاق عليها في مواضيع تتعلق بالإشراف على الأماكن المقدسة من قبل الطوائف المعنية وتأمين حرية الوصول إلى هذه الأماكن، وكذلك حرية الحركة داخل القدس كلها شرقها وغربها، وغير ذلك من القضايا المتصلة بتسهيل الحياة لسكان المدينة وزوارها. ولكن قضية بسط السيادة الفلسطينية على القدس العربية، المدعومة بالشرعية الدولية، غير قابلة لأية مساومة. فالقدس العربية بالنسبة للشعب الفلسطيني ليست مجرد قطعة أرض، وإذا كانت القضية الفلسطينية هي جوهر الصداع العربي – الإسرائيلي، فالقدس هي جوهر القضية الفلسطينية.

 

ومن جانب آخر فان تصريحات المسؤولين الإسرائيليين حول القدس- كما حول غيرها من القضايا الأساسية – وممارساتهم المتفاقمة لفرض هدفهم المعلن لمصير القدس، لا توحي بأنهم يريدون فعلا الوصول إلى حل عادل ودائم للنزاع الذي طال أمده بين الشعب الفلسطينيين وإسرائيل، بل يريدون من موقعهم المتفوق فرض تسويات تحمل في أحشائها عناصر انهيارها وتفجيرها، إن لم يكن اليوم، فغدا وهذا يستدعي اليوم، شحذ اليقظة وتدخل المجتمع الدولي والرأي العام والعالمي المهتم بحل دائم لهذا النزاع الخطير، بمزيد من القوة والتأثير، قبل فوات الأوان.

 

 

مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية و الاقتصادية

زياد الحموري

 

 

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤