|
﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾

الإتحاد الوطني لطلبة المغـرب
-----------
بسم الله قاسم الجبارين وناصر المستضعفين
والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه وسلم
أما بعد لو لم يكن القدس الشريف إلا مدينة من مدن الوطن
العربي والإسلامي، ولو لم تكن فلسطين إلا جزء من رقعة
جغرافية تمتد من طنجة إلا جاكرتا لوجب على الأمة صغيرها
وكبيرها أن تجند طاقاتها وتستجمع قواها وتتنادى إلى
تحريرها ودحر العدو الغاصب منها. أما والقدس وما حوله
يمتاز عن غيره بالخصوصية التي ترفعه مكانة القداسة؛
فالنهضة أوجب، والقومة آكد والنصرة فرض الفروض وواجب
الواجبات.
إن خصوصية فلسطين ومدينة القدس
الشريف مرتبطة بالمقدس في عقيدة المسلمين، خصوصية جعلت
منها مركز الصراع الكوني وساحة التدافع التاريخي بين أمة
الإسلام وأعداءها الغاصبين الناقمين على الرسالة المحمدية
من الصليبين والصهاينة المعتدين.
-
إن خصوصية فلسطين ربانية قرآنية نبوية وتاريخية
وحضارية؛ هي التي حفظت
للصراع عنوانه الإسلامي الأصيل، وأذكت في الأجيال
المتلاحقة عبر القرون روح المقاومة والجهاد؛ بدء من جيل
الصحابة بقيادة عمرية فاروقية فاتحة، مرورا بصلاح الدين
الأيوبي المحرر، ووصولا إلى أبطال الانتفاضة المباركة
ورجال المقاومة الصامدة. إن الإيمان العميق بهذه المكانة
السامية شكل على مر تاريخ المسلمين حافزا ودافعا للنهضة
والقومة.
-
من جهة أخرى شكلت هذه الخصوصية نفسها عقبة متمنعة في وجه
المنبطحين والمنهزمين والمساومين والمطبعين، أولئك
الذين أرادوا ويريدون أن يجتثوا القضية من جذورها الراسخة
في العقيدة والتاريخ، وأن ينزعوا
عنها جبة القداسة ليضعوها في إطار قومي علماني وطني
ضيق، لا علاقة له بالدين؛ قضية حدود وتقرير مصير،
و"للمواطنين جدا" أن يتشبثوا بأرضهم أو يتقاسموها مع من
شاءوا في إطار مسلسل التسوية المفضي إلى السلام المزعوم
المكذوب، تحت يافطة سياسة الأمر الواقع واختلال موازين
القوى، والانضباط لمقتضيات الشرعية الدولية...
إن فلسطين والقدس جزء من عقيدة المسلمين،
والدفاع عن حوزتهما من إفساد اليهود وعلوهم وظلمهم دين
يدينون به، وجزء لا يتجزأ من تاريخهم وقرآنهم.
-
أرض فلسطين أرض الإسراء؛ فإلى المسجد الأقصى أسري برسول
الله صلى الله عليه وسلم، و به اجتمع بإخوانه من الرسل
والأنبياء عليهم السلام، وعلى صعيده صلى بهم أجمعين،
تأكيدا على وحدة الرسالات (إن الدين عند الله الإسلام)،
وعلى عالمية القرآن الذي أتى مكملا لما بدء، ومصححا
للانحراف والتزوير الذي لحق الكتب السابقة بما كسبت أيدي
الأحبار والرهبان.
-
من أرض فلسطين عموما ومن بيت المقدس تحديدا انطلقت الرحلة
العلوية النورانية نحو سدرة المنتهى، وإليها عادت. وارتباط
المعراج ببيت المقدس يجعله في مكانة عظيمة في قلوب
المؤمنين؛ إذ في المعراج ارتقى رسول الله صلى الله عليه
وسلم السبع الطباق ضيفا كريما على الحضرة النورانية
العظيمة حتى كان قاب قوسين أو أدنى، وبلغ ما لم يبلغه أحد
كرامة وعطاء له ولأمته. و فيها فرضت الصلاة على المسلمين
ركنا من الأركان وعمودا للدين، وضامنة لوحدة المسلمين.
ولقد جعل الله بيت المقدس -تكريما له- قبلة للمسلمين توحدت
اتجاهه قلوبهم و ووجوههم، قبل أن تحول إلى المسجد الحرام،
دون أن ينقص ذلك من شأن القبلة الأولى في قلوب المؤمنين.
ومن فضل بيت المقدس أن الصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه من
المساجد، وإليه تشد الرحال بعد الحرمين الشريفين.
إن مما يغذي محبة المسلمين لفلسطين والقدس أنهما آيات في
قرآنهم تتلى آناء الليل وأطراف النهار يتعبدون بتلاوتها،
لقد ذكرهما الله سبحانه وتعالى في محكم آياته واصفا إياها
بالبركة والقداسة في غير ما موضع، فقال سبحانه:
1-
"وأورثنا الأرض الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها
التي باركنا فيها"
الأعراف 117
2-
"سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد
الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع
البصير"
الإسراء 1
3-
" ونجينا لوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين"
الأنبياء 71
4-
"ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا
فيها، وكنا بكل شيء عالمين"
الأنبياء 81
5-
"وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة
وقدرنا فيها السير، سيروا فيها ليالي و أياما آمنين"
سبأ 81
6-
"يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، ولا
ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين"
المائدة 21.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عن فضل فلسطين
وبيت المقدس، ذاكرا أنها أرض المحشر والمنشر، ومقصد
الرحال، وأرض المقاومة المداومة والمرابطة حتى يأتي أمر
الله. ففي مسند الإمام أحمد 5/269 قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم:" لا تزال طائفة من
أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم
ولا ما أصابهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك. قالوا يا رسول
الله أين هم؟ قال في بيت المقدس و أكناف بيت المقدس".
بحاجة نحن أن نذكر شباب الأمة وشيبها بمكانة القدس الشريف
وفضله،
وبتاريخ صراعنا مع اليهود والصليبين وتطوره، تماما كما نحن
بحاجة إلى المعرفة الدقيقة بأصول الفكر الغربي الصليبي
ودوافع حركته الاستعمارية الغازية، والخرافات والأساطير
التلمودية التي تغذي جشع وقسوة وعلو اليهودية الصهيونية،
لأن وعي الأمة بهذا كله من شأنه أن يضع صراعنا مع الكيان
الصهيوني المحتل للأرض منذ ستين سنة، ومن خلفه قوى
الاستكبار العالمي بقيادة أمريكية، في مكانه الصحيح،
باعتباره صراعا يتجاوز البعد العسكري ليشمل كل أبعاد
الوجود والشهود: العقدية والتاريخية والثقافية والاقتصادية
والسياسية والاجتماعية...لأن أي مقاربة للموضوع بدون
استحضار لكل هذه الأبعاد من شأنه أن يكرس لثقافة ونفسية
الهزيمة، وأن يمدد لتاريخ النكسات والنكبات، ويبتعد بالأمة
عن طريق الخلاص والانعتاق...
تحرير الأرض المقدسة مهمة تاريخية جليلة
ينبغي أن تشرئب إليها أعناق أفراد الأمة، وتتطلع إليها
الهمم السامقة؛ فهي عنوان التحرر الكامل والانعتاق الشامل
لرقبة الأمة من قيود الاستكبار العالمي الغاشم المطوقة
للأرض وللأعناق والأرزاق. ودوننا والتحرير معركة الحسم
التي أخبرنا بها القرآن في أوائل سورة الإسراء، ودوننا
والانتصار في المعركة توفير شروطه الذاتية والموضوعية.
والعامل الذاتي حاسم في المعركة.
إن تحرير الأرض المقدسة يمر حتما عبر:
1-
تحرير القلوب المسلمة من "الوهن" الذي وصفته الصيدلية
المحمدية بأنه "حب الدنيا وكراهية الموت"، وبه أصبحت الأمة
رغم كثرتها غثاء كغثاء السيل. تحرير القلوب يكون بتربية
الأجيال تربية إيمانية إحسانية مستقبلية اقتحامية للعقبات،
يسترخص صاحبها الموت في سبيل الله متوجها بكليته لطلب وجه
الله تعبدا بالدفاع عن دينه والاهتمام بشؤون أمته والدفاع
عن حوزتها.
2-
تحرير العقل المسلم من الجمود الذي أصابه، ومن طوق التقليد
ودين الانقياد الذي قيده، و ذلك بالتأسيس لمعرفة و ثقافة
عميقة أصيلة منبثقة عن الثوابت والأصول ومنفتحة على الحكمة
البشرية التي هي ضالة المؤمن. فسطحية الفهم والتحليل لا
يفضي إلا إلى سلبية مقيتة و غثائية محوقلة قاعدة، أو إلى
ردود فعل طائشة فاشلة، والتاريخ شاهد على ذلك.
3-
تحرير الإرادة الجماعية للأمة: باستجماع طاقاتها وتوجهيها
وتنظيمها وتحفيزها إعدادا للطليعة التي من شأنها أن تمثل
النواة الأولى للقوة والمقاومة فكريا وسياسيا واقتصاديا
وحركيا وإبداعيا... هي من ينبري لرفع الراية، وتحقيق
النموذج القدوة، ومن يقود ويربي، وينازل الأعداء في مختلف
ساحات التدافع ومنتدياته... ومن هنا بداية المسير.
ونحمد الله أن المسيرة انطلقت، وهي موصولة منا ونعمة
بالكوكبة النورانية الجهادية التي رفعت الراية في غزوة بدر
الكبرى مع الرسول الرحمة المهداة عليه الصلاة والسلام. و
إنه لمما يشجع أن باكورة الانتصار قد أينعت منادية: أن
القطع مع عهد النكبات من هنا، ونحن نشهد اندحار الكيان
الصهيوني في غزة الصمود وفي جنوب لبنان المقاومة؛ حيث أجبر
الصهاينة على الخروج في تموز 2006 منهزمين مخذولين من جنوب
لبنان أمام المقاومة الإسلامية لحزب الله، والبقية تأتي
تباعا إن شاء الله.
"إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم"، "وكان حق علينا
نصر المؤمنين"
تحدثت في كلمتي هته بلغة المهام التاريخية اعتقادا أن
المعركة معركة أجيال. ولأن التاريخ لا ينتظر أحدا، فثمة
مهام آنية منوطة بكل الغيورين على الأمة وذوي المروءة
منها، بله من وطن نفسه على حمل أعباء الرسالة في زمن
القعود، وليس أقلها:
-
دعم المقاومة وخيارها ورجالاتها،
ومساندة الكفاح الفلسطيني الأبي ماديا ومعنويا، وتقوية
امتداده الاستراتيجي الداعم المتمثل في الحركة الإسلامية
المتغلغلة في الأمة ...
-
ومواجهة سياسات التطبيع والتضبيع والتبضيع، والتصدي
لمخططات التهويد والتدمير
ولعمليات تصفية المقاومين والمقدسيين، ولحملات الاستيطان،
ولسياسات العزل والحصار، والوقوف في وجه خطط التآمر على
الحرم المقدسي ومحاولة هدمه،
التي تحاك وتنفذ في الأراضي الفلسطينية عموما و في بلدية
القدس على وجه الخصوص. فالتحرك لفضحها وكشفها، والضغط في
اتجاه إيقافها واجب آني مستعجل ...
-
كما هو واجب على كل المنظمات والهيئات الأهلية والشخصيات
المؤثرة
تنظيم حملات التضامن مع سكان غزة لرفع الحصار عنهم،
وتصعيد التحركات الجماهيرية للضغط على صناع القرار في
العالم لحملهم على تحقيق المطالب العادلة للشعب الفلسطيني
وعلى رأسها :كسر الحصار، وفتح المعابر و رفع الحواجز،
وإطلاق سراح الأسرى، وضمان حق العودة، واسترجاع الأرض
المغتصبة، ودحر الاحتلال... في حين يقع على عاتق
الفلسطينيين توحيد الصف وجمع الذات، والصمود عوض الانبطاح.
-
هو الابتلاء الإلهي ليعلم الله المجاهدين من الأمة و يبلو
أخبارهم،
وبعد نجاح الأمة في توفير شروط الاستحقاق وفق سنة الله
التي لا تبديل لها، فالنصر حتمي لا محالة، موعود الله وهو
سبحانه لا يخلف وعده، وبشرى رسول الله الصادق المصدوق بأن
تقوم الخلافة الراشدة الثانية بعد قرون العض والجبر، " ثم
تكون خلافة على منهاج النبوة".
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محمد بن مسعود
كاتب عام الاتحاد الوطني لطلبة المغرب
وأحد قيادي شباب جماعة العدل والإحسان
المغرب الأقصى
10 رمضان 1429
|