تهويد القدس

د. رفيق حبيب – المصريون

 20-5-2009

 

تتعرض مدينة القدس لجريمة عنصرية من العدو الإسرائيلي، تتمثل في تهويد المدينة وإخفاء معالمها العربية والإسلامية والمسيحية. وهي جريمة منظمة مستمرة منذ عقود، وتتم عبر العديد من العمليات المنهجية. حيث يتم حصار المدينة القديمة بمجال واسع حولها، يمدد المدينة على مساحة واسعة، ليتم ابتلاع المدينة القديمة وسط أحياء يسكنها اليهود، تمثل أضعاف المدينة القديمة. كما تتم عمليات حفرية تهدف إلى الكشف عن أي أثر يهودي، ليتم تغيير المعالم الأثرية للمدينة. يضاف لهذا الجريمة التي تتم بحق المسجد الأقصى، والتي تتمثل في الحفريات التي تتم أسفل المسجد، بغرض اكتشاف أي أثر لهيكل سليمان، مما يمهد لهدم المسجد الأقصى، وبناء هيكل يهودي جديد محله. ويتزامن مع ذلك بناء كنس يهودية حول المناطق الأثرية الإسلامية، حتى تصطبغ المدينة بالطابع اليهودي. ويضاف لهذا أيضا، عملية هدم منازل الفلسطينيين، تحت دعوى أنها بنيت بغير ترخيص، ثم يتم بناء مساكن لليهود بدلا منها. وبهذا تتحول المدينة إلى مدينة يهودية المعالم، بها بعض الآثار الإسلامية والمسيحية، وقلة من السكان العرب.


والغرض من ذلك واضح للعيان، فهو عملية تحويل لطبيعة المكان، حتى إذا وصل العدو الإسرائيلي إلى أي مرحلة للتفاهم على ما سمي بقضايا الوضع النهائي مع الطرف الفلسطيني المفاوض، تكون مدينة القدس الشرقية قد أصبحت مدينة يهودية، ولا يستطيع المفاوض الفلسطيني طلب ضمها لأراضي الدولة الفلسطينية، على أساس أنها ضمن الأراضي المحتلة عام 1967. وما يحدث للقدس، هو أيضا ما يحدث لأجزاء واسعة من الضفة الغربية، حيث يتم تهويد تلك الأجزاء بنزع ملكية الأراضي من الفلسطينيين، وإقامة المستعمرات اليهودية عليها، ثم قطع أوصال أرض الضفة الغربية بجدار الفصل العنصري، حتى يتم ضمها واقعيا وعمليا للأراضي المحتلة عام 1948. وبهذا يقوم العدو الإسرائيلي بعملية منهجية لتغيير طبيعة أجزاء واسعة من الأرض المحتلة عام 1967، حتى يوسع من نطاق الأراضي المحتلة عام 1948، والتي أعتبرها العدو الإسرائيلي حقا له، ووافقته على ذلك الدول الغربية، وأيضا الدول العربية والتي سلمت له بما سلب من أرض في عام 1948، وتتركه الآن يعبث بما تبقى من الأراضي المحتلة عام 1967، كما تتركه يعبث بمدينة القدس.


وما يفعله العدو الإسرائيلي ليس إلا جزءا من تلك الجريمة العنصرية المسماة بيهودية دولة إسرائيل. فالعدو يهود الدولة ويهود الأرض، حتى عندما تنظر الأجيال القادمة، تجد أمامها أرضا وشعبا ودولة يهودية، بعد أن تكون قد زالت كل آثار الدولة الفلسطينية العربية الإسلامية. وهذا العدوان الذي يغير طبيعة الأرض وهويتها الحضارية والجغرافية، يمثل أسوأ أنواع العدوان التي ارتكبتها البشرية عبر كل تاريخها. فهي عملية إبادة لهوية الأرض، تمهد لإبادة الشعب نفسه بعد عمليات التهجير التي تمت من الأراضي المحتلة عام 1948.

 

ويهودية الدولة الصهيونية العنصرية، هي بداية لتهجير بقية العرب الفلسطينيين الذين يعيشون الآن على الأراضي المحتلة عام 1948. وبهذا يحاول العدو الإسرائيلي خلق واقع جديد على الأرض، ليؤمن بقاءه فيها، ويهدم تاريخ وهوية الأرض، وواقعها الجغرافي. وهدف العدو النهائي، هو إقامة دولة يهودية نقية لا يعيش عليها إلا اليهود، رغم أن دولة الاحتلال الإسرائيلي لم تعرف بعد من هو اليهودي. وهذه الدولة التي تقوم على قومية واحدة، ولا تعرف أن تتعايش مع أي قومية أخرى، خاصة العرب، هي دولة تؤسس نفسها لتكون معادية دائما لكل محيطها العربي، ومعادية أيضا للشعب الفلسطيني الذي سيتبقى في الأرض التي ستتركها له دولة الاحتلال الإسرائيلي. أي أن العدو الإسرائيلي يؤسس لدولة الكراهية، والتي سوف تحافظ على طابعها النقي وعدائها المستمر للشعب الفلسطيني.


إن ما يحدث يعني أن الهدف النهائي للعدو الإسرائيلي، هو إقامة كيان يهودي خالص، يسيطر على كل أرض فلسطين، ويترك جزءا من تلك الأرض للفلسطينيين الذين يعيشون الآن في قطاع غزة والصفة الغربية، ليمارسوا فيه نوعا من الحكم الذاتي، تحت الهيمنة الكاملة للاحتلال، وحتى يتخلص من مسئوليته كقوة احتلال عن الشعب الواقع تحت الاحتلال.


أمام هذه الجريمة التي ترتكب في حق كل فلسطين العربية الإسلامية، وترتكب في حق مدينة القدس، بكل مقدساتها الإسلامية والمسيحية، لا نجد إلا صمتا عربيا رسميا، يسمح للعدو بالاستمرار في مخططه. ربما نجد بيانا أو شجبا من هنا أو هناك، ولكن الواقع يؤكد على أن الدول العربية كلها تصمت على تلك الجريمة، وتترك مساحة زمنية ممتدة للعدو الإسرائيلي لتنفيذ مخططه. ومع التأجيل المستمر لتلك المفاوضات العبثية بين العدو الإسرائيلي وفريق الاستسلام الفلسطيني، تتأكد خطة العدو التي تقوم على تأجيل أي مفاوضات حقيقية لحين انتهاءه من تغيير طبيعة الأرض، وتهويد كل ما يريد الاستيلاء عليه. ولهذا نرى أن النظام العربي الرسمي مشترك في تلك الجريمة، وفريق الاستسلام الفلسطيني مشترك أيضا في تلك الجريمة. فكل طرف يغض الطرف عما يحدث، ويسمح به، يكون شريكا أصليا في الجريمة. لأن الأنظمة السياسية العربية، عندما تصمت على ما يحدث لمدينة القدس، ولا تحاول منعه، فإنها بهذا تكون قد فرطت في دورها، وأنهت شرعيتها. فماذا تكون شرعية نظام سياسي يحكم في بلد عربي، إن لم يدافع عن الحق العربي والإسلامي في مدينة القدس، وإن لم يدافع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية. فتلك المقدسات هي جزء من تاريخنا وهويتنا، فهي جزء من تاريخ الأمة الإسلامية، وجزء من تاريخ المسيحيين العرب. والنظام السياسي العربي، عندما يفرط في حقوق الشعوب التي يحكمها، يكون بذلك قد فرط في حماية بلاده وتاريخه وشعبه وهويته.


ورغم كل ما يحدث للقدس الشريف، فسوف تظل تلك المدينة رمزا لمعركة التحرير والاستقلال لكل أمتنا العربية والإسلامية، وعلى أسوار المدينة سوف يسقط العدو ودولته، وسوف تسقط كل الأنظمة التي تهاونت مع العدو ومخططاته. فالقدس لنا، وعندما تعود سوف تسترد الأمة كرامتها وحريتها، وسوف تتوحد الأمة حول أسوار القدس المحررة، لتبدأ طريق نهضتها

 

 

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤